سقوط “نِهْم” والجوف ليس لغزاً
لست ممن يحيل الوقائع إلى فقه المؤامرة، أو يجيد الإسقاطات لغرض النيل ممن يختلف معه..! لكن الحقيقة أن سقوط نهم والجوف وبعض مديريات مأرب، هي نتيجة للكساد والفساد الذي اكتنف أداء قيادة الشرعية، وجنرالاتها العسكرية، التي اكتفت بالثراء على حساب آلاف الجرحى الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة نكران القادة وعبث المقربين والإهمال المتعمد!
هذه واحدة من أهم المعضلات التي هدمت الحماس وقتلت الاندفاع، وجعلت الكثير يتساءل كيف يمكن تحقيق الانتصار إذا كانت القيادات لا تأبه للتضحيات وتتجاهلها، بل تدفع في اتجاه تدمير الجانب المعنوي لدى الرافضين لمشروع الانقلاب العنصري، الذي يأتي في سياق صراعات نفوذ وحرب الاقتصاديات الناشئة المتأبطة بالتوحش.
لقد خسرت الشرعية نهم، ومن ثم الجوف ومديريتين جنوب مأرب، ولم يقدم قائد عسكري استقالة ولا وزير.. إلخ! وهذا ليس غريباً، إذا كان الهدف المال من السهل أن تكون قائداً أو وزيراً وأنت ستزاول عملك حتى من فندق خارج البلاد..!
مر الحدث وتبعه حدث آخر ولم يتخذ الرئيس ولا نائبه، وهو المعني بالملف العسكري بالشمال، أي إجراءات للتحقيق أو الإقالة، بل اكتفى كلٌّ من الرئيس والنائب بالصمت وانتظار المصير المجهول..! لنجد هالة إعلامية ممولة من قبلهم تحيل هذا السقوط لخيانات قبلية دبرت بليل..!
لكن أليس لدينا جيش قوامه 420 ألف مجند وصف وضابط.. كيف حدث ذلك؟ وأين ذهب الجيش واختفى حتى تُشن ضد القبائل حملات إعلامية ظالمة وتتهم بعض رموزها بالخيانة!؟
إن السقوط الذي حدث هو نتيجة لسوء الإدارة التي انتهجتها الشرعية، وسوء التدبير والتعامل والإقصاء الذي نال الكثير، إضافة إلى غياب الرؤية والهدف.. فيما الطرف الآخر يمضي وفق رؤية ولديه هدف ويعمل من الداخل، ولديه لجان عمل ميداني مهمتها التواصل والتنسيق مع المكونات والشرائح الاجتماعية، وقد حقق ذلك نجاعة خصوصاً بسقوط نهم، التي كان أهلها في طليعة التحرير، وعندما تمكنت الشرعية تجاهلت المجتمعات المحلية واعتمدت على كتائب رمزية تتولى التناوب بالمواقع مما خلق حالة من الامتعاض وسط المجتمع المحلي، وهذا بدوره وفّر للحوثيين سهولة التواصل والتنسيق، وتم إعداد خطة لسقوط نهم، فيما قيادات الشرعية منشغلة بالوضع جنوباً وترفض القبول بالحوار مع الانتقالي..!
كما أسهم في السقوط أيضاً نقل بعض الكتائب المحسوبة على المنطقة السابعة لمحافظة شبوة.
وأدى تنسيق الحوثيين مع بعض أهالي نهم المحتكين ببعض الجنود والصف والضباط التابعين للشرعية، إلى بث الحرب النفسية وتهيئة الوضع للسقوط، وتلاه بيومين عمل التفافات أسفل طريق الفرضة، وإطلاق نار، وقطع الخط الرئيسي، مما أدى لانهيار تام للجيش وسقوط الفرضة، وحدث الأمر بالجوف نتيجة لممارسات محافظ الجوف الخاطئة واستهدافه لأهم مكون اجتماعي “همدان”، الذي وظف العكيمي سلطته للنيل منهم وإقصائهم، ظناً منه أن الجوف أصبح حصرياً له، حتى أنه استقطب أركان المنطقة العسكرية السادسة، مجاهد الغليسي، وعملا معاً ضد قائد المنطقة، مما أدى لتطفيش هاشم الأحمر، الذي بدوره انسحب بهدوء تاركاً النتيجة للمحافظ ليواجه قدراً كان هو في غنى عنه.. خصوصاً أن قرارات العكيمي وتصرفاته أزعجت قيادة الشرعية ونائب الرئيس حينما ظهر الرجل ليقدم نفسه ويتعامل بشكل مباشر مع قيادة التحالف، مغفلاً ردة الفعل التي جعلت الجوف يسقط بفعل ذلك وعوامل أخرى أهمها غياب البنية الحقيقية للجيش وقوات الأمن.
هذه هي الحقيقة، ولا ينبغي كيل التهم واللوم على مكونات اجتماعية مهمتها التأييد ودعم الشرعية، وليست مهمتها القتال نيابة عن شرعية يدثرها الفساد والبناء الوهمي للوحدات العسكرية.
كما أن مساوئ نخبة الشرعية والرفض لأغلب قادتها، وعدم قابليتهم في الوسط الشعبي أيضاً، جعل الشرعية تفقد حضورها شمالاً وجنوباً، وهذا لا يحتاج لتسويق التهم وإسقاط الخسائر على عوامل ثانوية في تجاهل تام لسوء الإدارة والفساد والرفض الشعبي للطبقة السياسية التي تتولى زمام الأمور فيما يخص الشمال، سواء الجانب المدني أو العسكري.
فاليمنيون سأموا من الحرب وأرهقتهم، وكذلك الشعارات التي تدور في فلكها الحرب باتت أكثر وضوحاً وتجلت لدى الكثير، ويبقى الانقلاب مرفوضاً وغير مبرر ولا مقبولاً؛ ولكن في إطار توجه سياسي وفق هدف ورؤية وطنية وليس وفق حسابات الربح ورغبات الإقليم وتوجهاته.