المزيدفنون وثقافة

مهندس ديكور ينقل التاريخ اليمني من المتاحف والمواقع الأثرية إلى البيوت

“يمن سايت”:

يحاول محمد القدسي، مواجهة تغييب التاريخ والموروث الحضاري اليمني، بفن الديكور وفكرة طموحة.

فكرته الطموحة هذه، بدأت السير على الأرض قبل عدة سنوات، حين أسس مشروعاً خاصاً، يرتكز على استثمار فريد للتاريخ والموروث الحضاري اليمني.

من خلال هذا المشروع، سعى القدسي ويسعى إلى استعادة وإحياء الرموز اليمنية، التي يحيط بها التغييب من كل صوب في صورة ديكورات آسرة، يقوم بتصميمها للبيوت والمقاهي والمطاعم والمكاتب غير الحكومية. فهل ينجح مشروعه الاستثماري هذا؟

إلى الآن، حقق مشروعه هذا نجاحاً مرضياً، فالطلبات تأتيه من مناطق مختلفة في اليمن، وقد أنجز أعمالاً في العديد من المحافظات، وتوسع عمله، وأصبح لديه فريق عمل يتألف من 15 عاملاً، بين خطاط ونحات وفنان تصميم.

وهذا النجاح ثمرة طبيعية لفرادة فن محمد القدسي، وفرادة فكرته القائمة على محاكاة التاريخ والموروث الحضاري اليمني، ونقله من المتاحف والمواقع الأثرية إلى الحياة اليومية لليمنيين.

لم تكن فكرة التاريخ حاضرة في حياة محمد العلمية أو المهنية، إذ تخرج من معهد المعلمين تخصص فن. وعمل “مدِّرس فنية” لمدة 15 عاماً، منذ تخرجه عام 1990، مع إعلان الوحدة اليمنية.

وإلى جوار عمله في التدريس، اشتغل عملًاً إضافياً في شركة صغيرة تنشط في مجال الدعاية والإعلان (خطاط ورسام)، بهدف تحسين مصدر دخله. استمر في هذه الوظيفة 10 سنوات، ليؤسس بعدها مشروعه الشخصي.

مطلع العام 2000، افتتح محلاً صغيراً للدعاية والإعلان، يختص برسم الشعارات واللوحات الإعلانية. ومع تطور هذا المجال بدخول الطباعة والأدوات الحديثة، تطورت أعماله وأنشطته: “بدأت أشتغل على جداريات ولوحات فنية، وبهذا انتقلت للعمل في الديكور”، يقول القدسي لموقع “يمن سايت”.

ومن خلال عمله في الديكور، وتميز أعماله، وجد القدسي فرصة للعمل خارج البلاد. يقول: “حصلت على عقد عمل في دبي في القرية العالمية في الجناح اليمني، لمدة 5 سنوات، 3 أشهر في السنة”.

مثّل عمله في القرية العالمية، ومشاركته في المهرجانات التي تقام فيها، واطلاعه على ما تقدمه دول العالم من موروث وأعمال فنية، طوراً جديداً في حياته وطريقة تفكيره. لقد لاحظ أن الجناح اليمني “فقير في ما يعرضه من الأعمال الفنية والديكور التي تبرز الموروث الحضاري والثقافي”، فأصبح همّه ومهمته القادمة بعد انتهاء عقد عمله في دبي وعودته إلى صنعاء.

بدت له فكرة إحياء التاريخ مبتكرة، وقد تكون مثمرة، في مجتمعٍ أهمل التراث، وصار يتطلع بانبهار إلى التحديث، وبمعزل عن إرثه. وبعد عودته إلى صنعاء، تحوّل البحث عن الفن والنحت في تاريخ وتراث اليمن، إلى شغف لا يفتر.

تزامنت عودة القدسي إلى صنعاء مع ثورة 2011، وما أعقبها من تطورات سياسية. ومنذ عودته، تمحور تركيزه على أعمال فنية “تظهر في طياتها التاريخ والموروث الحضاري لليمن”.

استثمار فريد للتاريخ بحس فني ووطني ونظرة رسام متمكن، بدأ محمد تجسيد التراث والحضارة في قوالب وديكورات فنية آسرة. وظّف النقوش والفنون السبئية والحميرية، وعمل على محاكاة المنحوتات والمعالم والرموز الأثرية العتيقة.

وأعاد ذمار علي، وشمر يهرعش، ومعبد الشمس، ومعبد أوام، إلى حاضر اليمنيين، في صورة ديكورات جميلة تزين للبيوت والمقاهي والمطاعم والمكاتب.

ويقدم القدسي أيضاً تصميمات أثاث منزلية ومكتبية مستلهمة من التاريخ والرموز اليمنية القديمة، كالوعل مثلاً ورموز أخرى.

وينفذ تصاميمه معتمداً على مواد مثل “الأخشاب بالدرجة الأولى، المواد الإسمنتية والجبسية، والفيبر والإكرلك والزجاج والأقمشة”.

وتثبت أعماله، أن التعمق في مناطق اليمن، يكشف عن ثروة عظيمة من التنوع الثقافي والحضاري في اليمن.

فقد اشتغل أعمالاً في مناطق مختلفة من اليمن؛ في الحديدة وحضرموت وعدن وصنعاء. ومع كل عمل، كان يُجري بحثًاً عن أفكار جديدة للتصاميم الديكورية، فأخذ من التراث التهامي والصنعاني والحضرمي.

ولم يجد محمد في تصنيفه الفني للمناطق، سوى ثروة من التنوع الثقافي والجمالي والتراث الفريد، الذي ابتدعه اليمنيون في كل منطقة، وطورته الأجيال جيلاً بعد جيل.

فقد تلقى اليمنيون هذا النوع الجديد والعتيق من الديكور، بإعجاب وثناء، فصار محمد يتلقى العديد من الطلبات للعمل من العديد من مناطق اليمن.

ومع توسع العمل والطلبيات، اتسع جمهوره وفريق عمله، إذ وصل كما ذكرنا سابقاً إلى 15 عاملًا بين متخصص في الفن والنحت والتصاميم، ويطمح محمد إلى توسيع جمهوره وفريقه ومشروعه أكثر.

غير أن أعمال محمد القدسي، تلقى اهتماماً متزايداً من الناس، ولا تلقى أي اهتمام من أي جهة حكومية أو سياسية. “أغلب أعمالي مع أصحاب بيوت وفلل أو في السوق كأصحاب المحلات والفنادق”، يقول مضيفاً، أنه يتطلع إلى أن تجد أعماله طريقها إلى المكاتب والمؤسسات الحكومية.

لا تكشف هذه القصة فقط عن حنين مهندس ديكور يمني لتاريخ وموروث بلده الحضاري، بل تكشف أكثر عن حنين اليمنيين المتزايد لهذا التاريخ والموروث، الذي تطمره الرمال والنسيان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى