المزيدفنون وثقافة
عدن في المذكرات الشخصية… ماذا صنعت المدينة الكوسموبوليتية بالقادمين إليها؟

محمد عبدالوهاب الشيباني
(1)
-
فرانك مراميه: باتت عدن الكوسموبوليتية جسراً بين شبه الجزيرة العربية وأوروبا وإفريقيا وآسيا، وانعكست في فضائها وفي توزيع العمل فيها طبقات اجتماعية وعرقية متناسلة من الإمبراطورية البريطانية والرأسمالية التجارية
-
والناس نظيفون في ملابسهم، وليس هناك على أكتافهم سلاح أو خناجر على خصورهم. ورؤوس الأغلبية مكشوفة تبدو عليها حلاقة الشعر الجديدة التي كانوا يسمونها “تالوه”
-
صارت عدن -خلال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات- في كثير من الكتابات موطن هجرة أول للريفيين، الذين تركوا قراهم المغلقة والمعزولة هروباً من الجوع والفقر والظلم
مثلت عدن لكثير من المثقفين والسياسيين اليمنيين الذين دوَّنوا مذكراتهم الشخصية تلك الحالة الفارقة في وعيهم ما قبل المديني (الريفي في كثير من الحالات)، وفصلت، في مسيرتهم، بين زمنيين ما قبل عدن وما بعدها؛ لأن حياة المدينة ومظاهر الحداثة فيها من

مأكل وملبس ومعمار ووسائل إعاشة واندماج سكاني وعرقي وديني أحدثت ذلكم التحول، بذات الطريقة التي فعلتها الأمصار والبلدان في المهاجرين اليمنيين الأميين، فصارت عدن -خلال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات- في كثير من الكتابات موطن هجرة أول للريفيين، الذين تركوا قراهم المغلقة والمعزولة هروباً من الجوع والفقر والظلم. وبسبب قدرتها الامتصاصية، كمدينة متعددة، استطاعت تذويب اللائذين بها ليصيروا جزءاً من نسيجها السكاني والاجتماعي، وما كانت لتصير كذلك إلا لحاجة المستعمر لميزاتها الجغرافية ووجودها على خط الملاحة الحيوي الرابط بين الشرق والغرب والجنوب، وحسب فرانك مراميه في كتابه (مدن متنازعة – بيروت، صنعاء، عدن/ 2015) فقد:
“أدى سعي الاستعمار البريطاني إلى إنشاء مستودع للفحم وقاعدة عسكرية في عدن على طريق الهند البحرية، بالإضافة إلى شق قناة السويس عام 1869، إلى تطور المدينة ونشاطاتها الاقتصادية تطوراً سريعاً. أصبح مرفأ عدن عام 1958 الثاني عالمياً من حيث عدد السفن التي تدخله بعد مرفأ نيويورك، فنشأ عن ذلك مجتمع مديني جديد على سواحل المحيط الهندي، جمع شعوباً من اليمن والقرن الإفريقي والهند، إلى جانب قوات الاحتلال، وباتت عدن الكوسموبوليتية جسراً بين شبه الجزيرة العربية وأوروبا وإفريقيا وآسيا، وانعكست في فضائها وفي توزيع العمل فيها طبقات اجتماعية وعرقية متناسلة من الإمبراطورية البريطانية والرسمالية التجارية، وبرز دور العبادة الإسلامية والمسيحية واليهودية والهندوسية والبارسية، وأضيفت إليها الطقوس والانتماءات العرقية والثقافية المتنوعة.
اندمج تدريجياً المنحدرون من بضع مئات من المسلمين الذين سكنوا عدن عام 1839، مع عائلات المهاجرين الوافدين من شمال اليمن والمحميات البريطانية الجنوبية، ليكونوا مع المسلمين الهنود جالية للعدنيين”. ص 161.
الدكتور عبدالعزيز المقالح لم يزر مدينة عدن إلا لمرة واحدة في 21 مايو 1990 -عشية إعلان وحدة شطري اليمن- ولم يمكث بها طويلاً، وفي هذه الزيارة كتب نصه “عدن عناق البحر والجبل”، عن لحظة الدهشة التي أحدثتها فيه المدينة، التي زار غيرها عدة مدن عربية، صارت انطباعاته عن هذه المدن، بما فيها عدن، ملمومة في كتاب “ذكرياتي عن خمس وعشرين مدينة عربية”.
“عدن ليست الآثار والشواطئ الذهبية الجميلة، وليست المباني التي اختارت أماكنها على السفوح وقمم التلال، كما ليست الشوارع والأسواق ولا الميناء الطبيعي النادر في تكوينه واحتضانه الحنون للسفن على اختلاف أحجامها بعيداً عن الأعاصير والرياح الغاضبة. إنها عدن التاريخ والأساطير التي جعلت العشرات، إن لم يكن المئات، من المبدعين في العالم يحلمون بسكناها أو حتى بزيارتها.
هي ثغر اليمن وجوهرة البحر العربي تضيء طريق السارين من الغرب إلى الشرق ومن الشرق إلى الغرب، وهي الواحة العربية التي استراح بها وعلى شواطئها تجار ورحالة، وشهدت عبر كل العصور حروباً طاحنة بين أهلها والغزاة من ناحية، وبين الغزاة أنفسهم الذين كانوا يتنافسون في الاستيلاء عليها والسيطرة على موقعها الاستراتيجي النادر.
لم أدخل عدن، وقد كانت دائماً قريبة من قلبي وفي تناول كتاباتي وأريج قصائدي إلَّا في وقت متأخر لأسباب لا أملك لها تفسيراً”. ص143 وما بعدها.
(***)
وفي عديد من المطالعات الأخيرة في بعض المذكرات الشخصية لمثقفين وسياسيين استوقفتني الدهشة التي أحدثتها المدينة في وعي، من مروا بها، لتصير مع الوقت ملمحاً قرائياً لدالة التحول عند الكثير، منهم أدباء ومثقفون وسياسيون ومؤرخون ورجال أعمال أيضاً.
يقول جار الله عمر في مذكراته الصادرة مؤخراً (الصراع على السلطة والثروة في اليمن حوار: ليزا ودين/ حرّره وقدّم له: فوّاز طرابلسي/ 2020)، عن عدن التي وصلها قبل أشهر قليلة من قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، هو وقريب له خشية اعتقالهم من عسكر الإمام بعد اشتراكهم في مظاهرات طلابية:
“وعند وصولنا اندهشنا عندما شاهدنا منظر مدينة عدن: مثير منظر عدن يخلب العقول ويختلف عما كان في صنعاء أو ذمار. الطرق منظمة والسيارات تمشي بشكل مستمر، والشوارع نظيفة، والبشر الذين يمرون في الشوارع مختلطون من كل الأجناس البيض

والسود والأوروبي والإثيوبي، إلخ. الأسواق والمطاعم والدكاكين عكس ما كان موجوداً في الشمال، فيها الدكاكين والباعة المتجولون. لا توجد ضجة كبيرة والناس نظيفون في ملابسهم، وليس هناك على أكتافهم سلاح أو خناجر على خصورهم. ولفت انتباهنا أن كثيراً من المارة ذقونهم محلوقة ورؤوس الأغلبية مكشوفة تبدو عليها حلاقة الشعر الجديدة التي كانوا يسمونها “تالوه” وهذا لم يكن موجوداً في المملكة المتوكلية اليمنية. وعندما حل المساء عشنا منظر المدينة المضاء بالكهرباء. وعلى الرغم أنه كان في صنعاء وذمار كهرباء لكن لم تكن الشوارع مضاءة مثلما هي في عدن. السيارات كثيرة بالقياس إلى صنعاء، فالسيارات الصغيرة والمتوسطة غير موجودة أصلًا. من الأشياء التي لفتت انتباهنا أنّ أحداً لم يهتمّ بنا عكس المناطق التي مررنا فيها في الشمال أو مناطق المحميات في الجنوب، حيث كنا نلفت انتباه الناس أثناء مرورنا بملابس طلاب المدارس الدينية. هنا في عدن غيّرنا الملابس وصرنا نمشي في الشارع ولم يهتم بنا أحد، ولم يسألنا أحد من أنتم أو من أين أنتم. كانت المدينة مزدحمة بالناس وفيها عشرات البشر من كلّ الأعمار ومن كل الأجناس. وعندما حلّ المساء احترنا أين ننام. كان معنا ستة ريالات أعطانا إياها محافظ البيضاء، وكانت كثيرة في ذلك الوقت، ولكن ما عرفنا كيف نتصرف. اهتدينا إلى مطعم قريب من المكان الذي وصلنا إليه في مدينة كريتر يقع بجانب الجامع. أكلنا وكان الأكل مختلفًا عن صنعاء. الخبز طازج، أكلنا بشهية الكبد والكلاوي، وجبات لم تكن موجودة في صنعاء. دفعنا الحساب ريالاً واحداً وأعادوا لنا الباقي من الريال، وكانت قيمة الوجبة شلنًا ونصفاً وكان الريال قيمته خمسة شلنات كما أعتقد”.
الدهشة التي ستلف الرفيقين ستنعكس في المقارنات السريعة بين عالمين متجاورين على الخريطة، قَدِما من الأول بكل بؤسه وانغلاقه وتخلفه، ليحطا في عالم آخر؛ طرقه منظمة، وشوارعه نظيفة، وناسه مختلطون من كل الأجناس بملابسهم المختلفة النظيفة، ليس على أكتافهم أسلحة وليس على خصورهم خناجر. الوجبات في مطاعم هذا العالم الجديد ليست موجودة في العالم المغلق الذي هربوا منه.
في كتابه “من القرية إلى عدن – جسر بين عصرين” يتحدث الدكتور أحمد قائد الصائدي عن تلك الدهشة، فيقول في الصفحة 127 وما بعدها:
“وفجأة هزني ابن عمي فاستيقظت على صوته، وهو يصرخ: “شوف. شوف. شوف عدن”، ويا للهول ما رأيت، فمن وسط ظلام خبت (صحراء) لحج شاهدت، ما لم أتخيل




