المزيدفنون وثقافة
السينما في عدن من أطفأ العرض؟

مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية – خالد لكرع:
تعتبر عدن نقطة التقاء ثقافي وتجاري وموطن ميناء عالمي يربط بين الشرق والغرب، خليج عدن الذي يربط البحر الأحمر ببحر العرب أدى إلى ازدهار التجارة وتوافد الناس إلى المدينة وحولها إلى مركز عالمي. لعبت المدينة دوراً بارزاً خلال معظم القرن العشرين، وأبرز ما شهدته على مستوى الثقافة كان ازدهار السينما في اليمن وشبه الجزيرة العربية.
أفضت التكنولوجيا الحديثة والمشاكل السياسية في البلاد إلى اندثار دور السينما. بلغ عدد دور السينما في عدن أكثر من أربعين دار عرض في أوج ازدهارها، مطلع التسعينات، ولكن ليس هناك أي صالة سينما عاملة في المدينة حالياً. ومع الأسف، يبدو احتمال إعادة إحياء هذه الثقافة ضئيلاً للغاية اليوم.
وصول الأفلام إلى عدن
احتلت بريطانيا عدن عام 1839، بهدف تأمين خطوط الاتصال والتجارة مع الهند، وانسحبت منها عام 1967. وبالرغم من أن هذا الاحتلال شمل السيطرة على الموارد، إلا أنه حمل معه العديد من أوجه النهضة الثقافية والتجارية. عرفت عدن السينما خلال هذه الفترة، لتزدهر لاحقاً وتصبح السينما أحد معالم المدينة.
عرفت عدن العروض السينمائية لأول مرة عام 1910 عندما كانت سلطات الاستعمار البريطاني تعرض الأفلام الصامتة باللونين الأبيض والأسود لجنودها في منطقة كريتر وللعاملين البريطانيين في السلك الدبلوماسي والمدني وأبناء عدن العاملين في المحميات البريطانية في جنوب اليمن.[1] وبعدها بدأت الأفلام تعرض في مختلف أرجاء المدينة.
شهدت منطقة كريتر أول عرض سينمائي محلي عام 1910 بفضل محمـد حمود الهاشمي، الملقب بمستر حمود، الذي بدأ بعرض أفلام شارلي شابلن الصامتة في الساحات أو الهنجرات الصغيرة. كما أقام عروضا متنقلة عرض خلالها الأفلام الصامتة في منطقة التواهي في الصالات والمواقع المتوفرة مثل مواقف السيارات والساحات.[2] كما عرض عبد العزيز خان الأفلام في ساحة قرب مقهى زكو، في مدينة عدن القديمة[3].
بنى نجل محمد الهاشمي، طه حمود، المعروف باسم “ملك السينما”، أول دار عرض سينما في المدينة في الثلاثينيات في كريتر، قرب حي الميدان. أطلق عليها اسم سينما هريكن (Hurricane)، وجاءت هذه التسمية على اسم الطائرة المقاتلة البريطانية من طراز هريكن.[4] بلغت مساحة السينما الأولية حوالي 600 متر مربع، وضاعف طه مساحتها عام 1942[5].
بالإضافة إلى هريكن، أنشأ طه حمود دور سينما أخرى منذ هذه الفترة حتى الخمسينيات: سينما الجديدة في التواهي، وسينما راديو في المعلا، وسينما الشرقية في الشيخ عثمان.[6] وعمل موزعاً لعدد من الأفلام لكبريات شركات الإنتاج وعدد من النجوم.
وبحلول عام 1972، ارتفع عدد صالات العرض السينمائي في عدن إلى 10 صالات، وبالإضافة إلى الأربعة التي يمتلكها طه حمود، كان هناك: السينما الأهلية أو سينما البادري لـ “حسين إسماعيل خدابخش” في كريتر، وسينما البنيان أو برافين في كريتر، وسينما بلقيس لـ “جعفر مرزا”، وسينما ريجل أو شاهيناز لـ “مستر حق” في خور مكسر والسينما الشعبية لـ “عبده عبد القادر” في الشيخ عثمان، وسينما دار سعد وسينما البريقة في مديرية البريقة المجاورة (أو عدن الصغرى). وبحلول الوحدة عام 1990، ارتفع عدد دور العرض ليصل إلى حوالي 40،[7] مقارنة بتسع دور سينما فقط في صنعاء التي افتتح فيها أول صالة سينما عام 1959[8].
ازدهار السينما في عدن
كانت عروض الأفلام متوفرة في الكثير من المديريات في محافظة عدن، وتنافست دور العرض السينمائي في عرض أفضل الأفلام. ركزت سينما هِريكن والسينما الأهلية على عرض الأفلام العربية، بينما ركزت سينما البريقة وسينما ريجل – ولاحقاً سينما بلقيس – على عرض الأفلام الغربية. وتفردت سينما شاهيناز في عرض أفلام شارلي شابلن. أما سينما بلقيس وسينما البنيان فقد تخصصتا في عرض أفضل الأفلام الهندية[9].
خلال السنوات الذهبية في السينما المصرية (من الأربعينيات وحتى الستينيات)، كانت الأفلام التي تعرض في القاهرة تعرض في عدن في نفس الوقت، وكانت قيمة التذكرة في عدن أعلى من قيمتها في مصر.[10] كانت أفلام فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب تعرض في عدن. وكان مستر حمود يملك حقوق عرض أفلام الممثل المصري فريد شوقي إذ كانت تعرض أفلامه في سينما هريكن فقط بموجب اتفاق نشرته حينذاك الصحف. بينما احتكر خدابخش، مالك سينما الأهلية، أفلام الفنان والموسيقار المصري فريد الأطرش بموجب عقد أبرم معه. زار الاطرش عدن في منتصف الخمسينيات بناءً على دعوة من خدابخش[11].
ومن أبرز الأفلام التي عرضت في دور السينما في الخمسينيات والستينيات في عدن فيلم أم الهند، فيلم الإجازة الصيفية (صدر عام 1963) بطولة كليف ريتشارد، نوسفيراتو: سيمفونية الرعب (صدر عام 1922)، أفلام روبن هود، أفلام عيون الليل، وحبي في القاهرة الذي صدر عام 1966 ومثّل بطولته المطرب اليمني العدني الراحل أحمد بن أحمد قاسم مع النجمة المصرية زيزي البدراوي، وهو أول فيلم من بطولة وإنتاج يمني.
كما عرضت دور السينما مقتطفات تعرف بـ “الجريدة المصورة” قبل بدء الفيلم لإخبار العدنيين بآخر التطورات، مثل أخبار القومية العربية خلال حكم الرئيس المصري جمال عبد الناصر. كما عرضت إعلانات للمحال التجارية بعدن ولقطات رياضية لمحمد علي كلاي ومن أفلام الكرتون “ناقر الخشب”.
وبحسب الكاتب عبد القادر باراس، عرضت بعض الأفلام من دون مقابل لكي يتمكن من لا يستطيع تحمل كلفة تذاكر السينما من مشاهدة الأفلام. وقال باراس: “بادر المجلس البلدي إلى إقامة عروض سينمائية متجولة بواسطة سيارة متنقلة تجوب الأحياء الشعبية لتعرض الأفلام الصامتة الأجنبية وتعرض أيضا مقتطفات لرواد الفضاء. وكانت السينما المتنقلة تعرض الأفلام على جدران المنازل وسط ترحيب الأهالي بهذه البادرة”[12].
وفي ذلك الوقت، في منتصف القرن العشرين، كانت دور السينما تراعي التقاليد الاجتماعية فيما يتعلق بحياء المرأة. خصصت عروض للنساء فقط في يوم محدد من الأسبوع بناءً على طلب المواطنين، ولكن من الجدير بالذكر أن اختلاط الجنسين لم يكن مشكلة إذ كان النساء والرجال يحضرون بعض الأفلام في الصالة نفسها. كما استخدمت السينما لخدمة أهداف تعليمية إذ عرضت بعض الأفلام للطلاب فقط، حسبما قال عبد الله مقبل، موظف سابق في سينما المعلا المغلقة حالياً[13].
المؤسسة العامة للسينما: ما بين النهوض والقيود
بين عامي 1967 و1990 كانت المحافظات الجنوبية لليمن اليوم – بما فيها عدن – تشكل دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي)، وهي دولة ذات نظام حكم اشتراكي-شيوعي. في بادئ الأمر، بعد تشكيل حكومة الاستقلال الأولى، كان ملاك السينما يدفعون ضرائب لها لتأسيس المؤسسة العامة للسينما والمسرح. كان ملاك السينما يأملون أن المؤسسة ستدعم وتعزز دور السينما، ولكن عام 1969، صدر قانون المؤسسة الاقتصادية للقطاع العام والتخطيط القومي (قانون رقم 37)، ونص على تأميم دور السينما، ضمن في اليمن الجنوبي ليطبق في 20 ديسمبر/كانون الأول 1970،[14] وبالتالي أصبحت دور السينما ملكا للدولة وكانت تديرها المؤسسة العامة للسينما والمسرح[15].
صدم القرار ملاك السينما. سيطرت المؤسسة بالكامل على عمل دور السينما وإبرام العقود مع شركات إنتاج الأفلام حول العالم. وخلال هذه السنوات من الحكم الشيوعي في جنوب اليمن، كانت دور السينما في عدن تعرض في بعض الأحيان لقطات عن لينين والإيديولوجية الاشتراكية العالمية قبل عرض الأفلام.
أثار قانون التأميم جدلا كونه سلب رؤوس الأموال ودمر القطاع الخاص والتنافس التجاري. وبحسب القانون رقم (37)، أصبحت سينما هريكن بكل محتوياتها وعقود العمل مع شركات الإنتاج والتوزيع ملكا الدولة.
وقال حفيد مستر حمود، لطفي طه محمد حمود الهاشمي الذي يمتلك سينما هريكن حالياً، لمركز صنعاء:” عندما قاموا بتأميم سينما هريكن، كان لدينا 850 فيلم بالإضافة إلى معدات وعقود مع شركات أفلام كانت قادمة لعدن. وكنا نقتطع 10% من دخلنا لأجل المؤسسة العامة للسينما، ولكنهم بعد ذلك أمموا السينما وصادروا كل شيء. هذا كان حقدا وليس تأميم”[16].
رغم أن قانون التأميم كان قاسيا على مالكي السينما، لكن الدولة لم تتوقف عن دعم هذا القطاع. ازدادت أعداد عروض الأفلام، كما أبرمت اتفاقيات مع شركات الإنتاج العربية والعالمية. وكان الجميع يرتاد السينما، حتى أنه يحكى أن الرئيس سالم ربيع (سالمين) كان يقف مع الآخرين في الصف لشراء التذاكر.
ولكن، واجهت السينما في عدن قيوداً عند عرض بعض الأفلام خاصة تلك التي تمس مواضيع أو قضايا أو شخصيات ذات صلة بالقومية والثورة العربية، والإيديولوجية الاشتراكية العالمية. خضعت كل دور السينما للرقابة، وشكلت لجنة إدارة الرقابة والمصنفات لهذا الهدف. وبدلاً من حذف مشاهد معينة من الأفلام (عملية معقدة تحتاج لمعدات مونتاج)، كان يمنع عرض بعض الأفلام المثيرة للجدل بشكل كامل، إلا أن تلك الرقابة لم تكن مشددة بنفس القدر في جميع الأوقات.
أثار فيلم العصفور، الذي صدر عام 1972، غضبا في أرجاء العالم العربي ولكنه عرض في عدن بعد نقاش طويل. يتحدث الفيلم (كتابة وإنتاج وإخراج يوسف شاهين)، عن هزيمة مصر وسوريا والأردن في حرب 1967، واعتبر إهانة للقومية العربية وبالتالي منع عرضه في الكثير من البلدان العربية. اعترضت إدارة الرقابة والمصنفات في المؤسسة العامة للسينما في عدن على عرض الفيلم، ولكن تدخل رئيس اليمن الديمقراطية الشعبية عبد الفتاح إسماعيل وسمح بعرض الفيلم.
وزار عدن آنذاك ابطال الفيلم صلاح قابيل وسميحة أيوب والمونتيرة رشيدة عبد السلام، وأقيم مهرجان للفيلم في سينما بلقيس، وجلس قابيل في الصف الأول[17].
التحديات التي مرت بها السينما في عدن
واجهت دور السينما في عدن الكثير من التحديات في وقت لاحق من القرن العشرين ما أعاق قدرتها على الاستمرار بالعمل. كان أحد هذه التحديات ناتجاً عن قانون التأميم. ومع أن الدولة دعمت دور السينما، إلا أن الاستحواذ عليها من قبل الدولة قوض ملاك دور السينما ودمر رأس مالهم. خاصة وقد استحوذت أيضا على كل أرشيفهم من الأفلام والمعدات.
وخلال منتصف الثمانينيات، سمح للأطفال بمرافقة أهلهم إلى دور السينما، ما خلق جوا لم يرق لمرتادي السينما نظراً للإزعاج الذي تسبب به الأطفال خلال عرض الأفلام. بالإضافة إلى أن بعض الأفلام كانت تعتبر غير ملائمة للمشاهدة العائلية. كما أن عدم الاستقرار السياسي حينها، والذي بلغ ذروته باندلاع الحرب الأهلية في الجنوب عام 1986، جعل العائلات مترددة في الذهاب إلى السينما[18].




