المزيدفنون وثقافة

ريان الشيباني: “نزهة الكلب” تقبض على الارتباكات الأولى للحرب و”الحقل المحترق” تغوص في أعماقها التاريخية

“المستقبل اون لاين”- حوار: عزالدين العامري:

الذهاب للتاريخ يجعل من الأدب حالة سامية ومتعالية على مزاج الانتقام بالكتابة

يرى الروائي والفنان التشكيلي ريان الشيباني أن وظيفة الكاتب هي مجابهة السلطة، ويعتقد أن الكاتب يقع في تحد عند الكتابة والسرد حول الحاضر المعاش.

وقال: “ما لم يتمكن من التجرد من التحيزات التي لا زال يعيشها فإنه سيخلط بين الذاتي والموضوعي”. وهو ما استطاع ريان تجاوزه في روايته “نزهة الكلب”.

وتحدث الشيباني في حوار أجراه “المستقبل اون لاين” وتعيد “الشارع” نشره، عن تجربته الروائية ووظيفة الكاتب ودور المثقف في واقع تسود فيه الحرب والمليشيا.

 – من نزهة الكلب إلى الحقل المحترق مسافة زمنية ليست كبيرة، فماذا يعني الزمن بالنسبة للروائي ولماذا تم تسليط الضوء على الحقل على عكس نزهه الكلب؟

بالفعل هي أربع سنوات بين العملين إذا حسبناهما بزمن النشر وليس التأليف. لذا فإن هذه الأربع السنوات ليست قليلة إذا نظرنا إليها بعين الحرب، وإذا نظرنا إليها بعين الأدب، فهي المسافة الفاصلة بين التأمل في الحرب كفعل مبهم إلى محاولة وضع تساؤلات حولها وربما تفكيك رموزها. نزهة الكلب تقبض على الارتباكات الأولى للحرب، والحقل المحترق تتموضع في المسرح التاريخي لتغوص عميقاً فيها. بالمناسبة لدي دائماً اهتمام بالزمن في التقنية السردية، وتركيزي عليه أساسي، فنزهة الكلب بني فيها زمن الرواية بشكل دائري داخل كل فصل، وحتى أحد الأكاديميين الجزائريين عندما وقع العمل بين يديه أحاله لإحدى طالباته لدراسة الزمن فيه، أما في الحقل المحترق، فالزمن هو البطل، إذ أن الزمن العام للسرد ينتظم في يوم واحد.. انهيار إمبراطورية الخلافة العثمانية، وقلة هم الذين انتبهوا لهذه الثيمة.

أما تسليط الضوء على الحقل، فكما هو معروف هناك دلالة عامة لـ”اليمن السعيد”، تنتظم في كونه بلداً زراعياً، لكنها أيضاً دلالة تحمل دائماً نقيضها، فالبلد الزراعي دائماً ما يجد مواطنوه أنفسهم جوعى، بسبب من طمع السلطة وجشعها.

 – في نزهة الكلب اعتمدت على الحاضر المعاش أما في الحقل المحترق فاعتمدت على التاريخ في أواخر حكم العثمانيين فأي الرواية أصعب، الحاضر أم الماضي؟

قد يبدو الحاضر المعاش أسهل، لكنك تقع فيه أمام اختبار الموضوعية. لا يمكنك أن تكتب عن مرحلة لا تزال تعيشها ما لم تستطيع أن تتجرد من تحيزاتها، أو تحاول فصل الذاتي عن الموضوعية فيها، هناك يكمن التحدي، أما السرد التاريخي بقدر ما هو يحتاج إلى دراسة معمقة لمسرح الأحداث، فإنك أيضاً نظير ذلك الجهد، تجدك أمام ممكنات هائلة للسرد، من حيث مساحة الخيال، والتحرك بأريحية مع الأبطال الذين تبدو حساسيتهم تجاه كونهم معاصرون تكاد تكون صفراً.

– لماذا يلجأ الروائي للتاريخ هل لأجل محاكمة الماضي أم هروبا من الحاضر وسلطته؟

وظيفة الكاتب هي مجابهة السلطة، لكن أيضاً هناك مسؤولية أدبية تقع على العاتق. التاريخ بالنسبة لي هو ذاته الثنائية المكرورة (ملهاة/ مأساة)، لذا يمكن من خلاله ترميز الحاضر والرفع من أحداثه، بقراءة نظائرها في التاريخ. ثم إن الذهاب للتاريخ يجعل من الأدب حالة سامية ومتعالية على مزاج الانتقام بالكتابة.

 – أين موقف المثقف اليمني من الحرب الدائرة في البلاد ولماذا غاب المثقف أو غُيب وسادت المليشيات؟

من الطبيعي أن يغيب أو يُغيّب المثقف لأنه ما من حضيض إلا وعبَّدَ طريقه بإنهاء أدوار النخب التنويرية. هناك سعي ممنهج للتضحية بالكيانات الثقافية التي تحاول أن تُمثل أطرافاً فيما يحدث، عوضاً عن الحملات الشرسة لتجيير الصوت الثقافي بما يخدم هذا الحضيض، ويؤبده.

 – في نزهة الكلب ظهر ذلك السعودي الذي كان يملأ بول الفتيات في الملهى الليلي في قناني هل نفهم من هذا موقف معين من الرأسمالية أم موقف من السعودية حيال الوضع في اليمن أم أن الأمر مجرد سلوك شخصي لا يتحمل كل هذه التأويلات؟

نعم يحمل الموقف بعد دلالي، حيث العجز المتبادل بين البلد وإقليمه، عدم القدرة على تسمية المعضلة اليمنية أو تعريفها من قبل الجوار، مقابل يمن هو الآخر أعزل وينظر بالكثير من الحدية لهذه العلاقة. اللجوء للشعوذة لتعريف ما الذي يريده الخليجي من اليمني، كانت فرصة لوضع أسئلة حول ما يدور، وتحريك الراكد حول الذي يجب أن يكون.

 – لماذا تأتي بعض الروايات بلغة صعبة ومقعرة.. هل هو تعالي على القارئ البسيط أم ماذا؟

لا أدري ما مفهومك للغة الصعبة والمقعرة، لكن إذا كنت تعتقدها في “الحقل المحترق”، فأنا أخترت هذا المسلك عن وعي، بدلاً من الذهاب باتجاه الوعي السطحي أو ما يسمى بـ”الساذج”. اللغة لها روح ارستقراطية، وشاعرية بما يفوق الممكن، إذا لم يتم الاستثمار في هذه الأبعاد، فمعناه إما أنك مثقف كسول، أو غير مؤهل لأن تكون روائياً حقيقياً. أنا راديكالي بالنسبة للغة.

 – ما وجه الشبه بين الفن التشكيلي وفن الرواية؟

أعتقد الولع بالتفاصيل. في الحقل المحترق يمكن أن تلحظ أيضاً ولعاً خاصاً بالوصف، مما يعني أن مزاج التشكيل اللاوعي طغى هنا. هذا إلى جانب أنك -إذا قدر لك أن تقرأ العمل- لن تنجو من رينوار ومونيه وفان جوخ، من صالونات الفن في باريس، إلى جانب تفاصيل أخرى يستجلبها حسي التشكيل.

 – هل هذا زمن الرواية كما يقول جابر عصفور أم أن الشعر ما زال هو سيد الموقف؟

أنا لا أنكر أن الرواية هي منتج رأسمالي، ما قاله عصفور هو إدراك منه، أن هذا الشكل من الأدب أصبح يُقدم على أجناس أخرى. جائزة نوبل أيضاً، وهي هرم الجوائز الرأسمالية، عادة ما تُعطي انحيازها للرواية على الأشكال الأخرى التي حظيت بنصيب واحتفال أقل. لكن هذا لا يعني -بالمعيار الأدبي- عدم أهمية أو محورية الشعر في اللغة.

 – كلمة أخيرة تريد قولها؟

 لا شيء.

ريان الشيباني أديب وتشكيلي وشاعر مثابر ومتجاوز أصدر روايتين رائعتين هما نزهه الكلب والحقل المحترق التي تم الاحتفال بها مؤخراً في نادي القصة بصنعاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى