في الثاني من مارس 2007 ترجل “محمد حسين هيثم” من على حصان الحياة الأهوج، ومضى الى قبره ، شابا في أوج نضجه . قلبه “المحب” لم يحتمل أكثر من تسع واربعين سنة، غسل ثلث أيامها بماء الشعر، تاركا خلفه سيرة استثنائية لشاعر مجد ومجدد، له من الدواوين الشعرية “اكتمالات سين 83″ و”الحصان 85″ و”مائدة مثقلة بالنسيان 96″ و”رجل ذو قبعة ووحيد 2000″ و”رجل كثير 2002″ و”استدراكات الحفلة 2002 ” و”على بعد ذئب 2007″ إلى جانب ديوان بالشعر المحكي (الشعبي ) اسماه ” حاز باحزيك 2003″ و مخطوط كتاب (لم يبصر النور حتى الآن) كان يخطط قبل مماته إصداره تحت عنوان (خلاعة الثعبان) ، جمع فيه أبحاثه ومقالاته المتصلة بالكتابة النسوية والشعرية الجديدة .
وهو قبل ذلك (ابٌ) ترك هاءاته الصغار “هند وهيثم وهوزن” لقسوة الأيام ووحشتها … ابٌ قال ذات قصيدة عنونها بـ (ها .. ها .. ها ) مهداة إليهم:
ينحدر الهائيون تباعا / من اسم علّقناه تمائم/ من اسم كنا كتبناه/….. / ثم قرأناه /على الكائن/ باسم المكنون.
شاعر عده الكثير من النقاد والشعراء الملمح المختلف للقصيدة الجديدة في اليمن، فقد قادها الى تخوم لم يقترب منها ، بذات المغايرة ،غيره من شعراء “سبقوه أو جايلوه أو تتلمذوا ” على نصوصه .
الدكتور المقالح رأى فيه “شاعر ظهر في مدينة الشعر مكتملا، وكان ديوانه الأول “اكتمالات سين” تعبيرا عن ذلك الاكتمال والنضج المبكر وقال ” بعض الشعراء الكبار يبدأون صغارا ثم يكبرون ،أما هو فقد بدأ كبيرا وظل يكبر ويضيء وتمتلئ كلماته بما ليس لكلمات الآخرين من رؤى ومعان وأضواء …كل قصيدة كان يكتبها تفوق سابقتها ،وتضيف جديدا إلى شعره، وإلى الشعر العربي الحديث الذي استمرت اضاءته تتقدم وتتطور بفضل متابعته ومتابعة أمثاله ممن يكتنزون في ذواتهم عوالم من الإبداع الذي لا يدركه النقص والفناء.”
منذ بداياته الباكرة ،أراد أن يكون استثناء في أبناء جيله ، وعبر عن ذلك بنصوصه التي حملت شخصيتها المستقلة لغة وبنية وموضوع ايضاً . وهو أمر تنبه له الناقد حاتم الصكر حين قال في كتابه (قصيدة النثر في اليمن ): “تقدم زملاءه كلهم في تكريس صوت متميز ضمن تجربة كتابة (قصيدة النثر) نوعا وكما ،فقد ضم ديوانه مطلع الثمانينيات تجارب ناضجة في قصيدة النثر ،التي تقوم على التكثيف والقصر واستضاف آليات السرد كالحوار والتسميات وتثبيت الأمكنة ورسم الشخصيات”
وهو نفس الرأي الذي تبناه أحد الآباء الروحيين الكبار لهيثم وهو الشاعر الكبير سعدي يوسف بقوله ” كان يتقدم في الطريق بخطوات متسارعة مذهلة، ولربما كان الأبرز حركة بين رفقته من الشعراء الشباب في عدن” فسعدي كان ثاني اثنين من شاعرين عربيين كبيرين هو والراحل “جيلي عبدالرحمن” من تعهدا تجربة هيثم بالرعاية وهي تخطو أولى الخطوات في عالم الشعر، الذي ولد في عين العاصفة التي كانت تلف المدينة التي أحب “عدن ” والتي أفضت إلى الكارثة الكبرى مطلع العام 1986، واضطرته الى الانتقال الى صنعاء، في تجربة قاسية اقتضت منه ” شق طريقه في كوارث الأزمات الطاحنة في اليسار الاشتراكي، وحماه ابداعه وجوهر الإنسان فيه من الانزلاق الى أتون الصراعات الدامية. فقد وهب إبداعه للقيم والروح الإنسانية، وكان الإبداع والثقافة والفكر ميدان نضاله وولائه” كما قال عبد الباري طاهر.
أكثر الشعراء عناية بنصوصه واخلاصاً لتجربته، التي حفرت عميقاً في الأرض البكر للشعرية الجديدة في هذا الهامش الجغرافي، لهذا رأيناه يجرب في الشكل وفي المضمون بوعي حاد، منتجا نصه الشعري الذي لا يشبه احد غيره. نص “تميز بالكثافة اللغوية وقوة السبك، فتاتي جملته الشعرية متراصة مضغوطة إلى أقصى ما تستطيع اللغة من الايجاز والثراء والموسيقى جامعا بين التراث برموزه والمنجز اليوم” كما ذهب الى ذلك الشاعر العراقي عبد الرزاق الربيعي.
“شاعر مختلف لم يكن يهدأ لسائد أو يستقر لاتجاه أو أسلوب، وهو الى ذلك لم يسكن قصيدة واحدة أو تحت خيمة شعرية يبريها، أو تبري حياته، إنما ساق شعره إلى ضجيج مسموع في اللغة والأسلوب، يقطع المسافة بسهولة بين الوضوح والغموض” كما رأى أحمد بزون.
خمسة عشرة سنة انقضت على رحيل الشاعر الكثير المختلف “محمد حسين هيثم” الذي رأى القصيدة “ابنة للمجازفة، وربيبة المحاولة” أما الشاعر الحقيقي عنده فهو مشروع داخل “المحاولة الدؤوبة للمغايرة” ورؤيته هذه هي استخلاص نابه لحالته كشاعر، ظل حتى آخر أيامه يجازف بدأب لكتابة قصائده المدهشة.
خمسة عشرة سنة انقضت على رحيل الإنسان، الذى أعطى لموقع الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين والذي شغره في الفترة بين (2001 و2005) معنى مغاير، وللنقابي فيه أعطى وظيفة خلاقة بمقدورها انجاز أعظم الأعمال بقليل من الكلفة وكثير من الإيثار. ولعل تبنيه لمشروع الاصدار، وتنظيمه لأكثر من مهرجان للأدب اليمني، أعظم الأمثلة سطوعا في هذا الجانب.
أما للمثقف الملتزم فقد قدم الصورة الأنصع لعفة النفس “فلم يكن انتهازياً او متحيناً للفرص لإعادة ترتيب أوضاعه الخاصة، فكان مشغولا بقراءة وكتابة الشعر ومتابعة تفاصيل الحياة الانسانية، وعلى علاقته الطيبة بالعديد من أصحاب السلطة، فقد جعل بينه وبين البناء الفوقي الرسمي مسافة، وكأنه بذلك يحافظ على استمرارية استقلاليته التي حددها لنفسه ولخياره الحياتي” كما قال عنه قادري أحمد حيدر.. سلام لروحك البهية محلقة في الأعالي أيها الكثير.