مقالات رأي
سيميولوجيا المدينة.. فرجة صنعاء

عدن- “الشارع”- أروى عبده عثمان:
1-
كيف نقرأ المدينة نصاً بصرياً ولسانياً؟ معمارها، شوارعها، مقاهيها، وفضاءاتها، كتاباتها، وقبل كل ذلك إنسانها، الفرد بالأخص، بمعنى حركة المدينة وتحولاتها تاريخياً، المدينة وتنوعها وعلاقتها بالآخر المختلف ثقافياً، واجتماعياً…الخ؟
إن صورة المدينة في المخيال الثقافي الجمعي، تحمل العديد من المعاني ودلالتها المتكثفة في سياق حياتنا، روحاً وذاكرة، حيث الحميمية والشجن، والنوستالجيا عندما تغيب أو يشوبها التعثر أو تقسو على أهلها خصوصاً عند الأزمات: الحروب والتهجير والمنافي. المدينة روح وفضاء، وإنسان يعمر وينقش وجهها بعدد لا يحصى من الصور البصرية واللسانية: الإنسان جسداً وروحاً، العمارة، الشارع، الحدائق المفتوحة على الخضرة، الحياة والسلامة، والغابات، الممشى، والرصيف، المتحف، والمكتبة، الشرفة، ألوان الملبس وأشكاله، المدارس والجامعات، وأكاديميات العلوم والموسيقى، المزارات، والشعارات، والأصوات، القطارات والسيارات، النظافة، ووجوه النساء المفتوحة على الفضاء وألوان الحياة، والممارسات الثقافية والاجتماعية، مدن خالية من السلاح والمعسكرات. تنقش معالمها وواجهاتها التماثيل والمنحوتات، منثورة في فضاءاتها المطاعم، المقاهي، الساحات الكبيرة لممارسة فنون شتى من الموسيقى والفنون والرقص، والتشكيل والاحتفالات، والتنزه، والمشي ..الخ.
تقرأ معنى المدينة تحضرها من تخلفها، حملها لصفات المدينة من عدمها، من خلال تمدنها من قبيّلتها وريفنتها، وبداوتها، سلامها من حروبها، تماسكها من تشظياتها، انفتاحها من انغلاقها، فنونها متعددة الأديان الثقافات، من انعزالها وانكفائها داخلياً باسم “خير أمة”، و”الأصل والفصل”، “والقوميات، والعروبيات، والنزعات الشوفينية، والهرف من الماضويات باسم القداسة”.
تعرف سيمياء/علامات المدينة من تعددية أشكال الحياة، فشوارعها المفتوحة: علامات عناوين اللافتات والصور، الطرقات، الأسواق، اللغات وتنوع اللهجات.. كل هذه الإشارات والعلامات، والأيقونات تشكل معنى المدينة.. الخ.
ينصب تركيزي دوماً على تعريف المدينة بالثقافي وبالحداثة. فبجانب أن المدينة فضاء ثقافي- فني متعدد مفتوح على مختلف ثقافة العالم، أيضاً، تُعرف بالديمقراطية، وبالتسامح والتعايش والجمال، تُعرف بالدولة، والمؤسسة، والتكنوقراط، وبمعنى الحرية، والمساواة، تعرف بإعلاء سلطان العقل والعلم والمعرفة، بالفلسفة والمنطق، وعلم الجمال، والأديان المقارنة، والعلوم والتكنولوجيا، صناعة لا متلق استهلاكي بحت.
وتعرف المدينة، بإشاعة روح الأنس والألفة، بأن المختلف من الأقليات مواطنون، لا غرباء، وليسوا كائنات هشة، يبتلعها الأقوى. أو تعيش تحت كنف الحماية القبلية والمؤاخاة، وأعراف “بوجهي”، بل باسم القانون، الفيصل بين الناس على اختلاف أعراقهم، وجنسهم، وأديانهم ومعتقداتهم، وعرقهم، ومهنهم.. الخ من حقوق المواطنة في دستور المدينة، لا أن تعلم في مادتيه الأولى والثانية، بأن الشريعة الإسلامية مصدر كل التشريعات، ودين الدولة الإسلام، ولغتها هي اللغة العربية الوحيدة.. الخ.
تعرف المدينة بحقك في الوجود الآمن والسلامة، والحرية، الحق في البيت، وأن تطل وجوه النساء من النافذة والشرفة، يتناولن القهوة والموسيقى، ويجدلن زرعاتهن في أصص الريحان والأزهار والنعناع.
تعرف المدينة بالاستقرار، والاستقرار، والاستقرار. هذه المفردة التي لا تعرفها مدينة صنعاء كعاصمة، ولا المدن اليمنية كافة، طوال تاريخ اليمن، إذ يتصارع ويتقاتل فيها أهلها قبل الغرباء. سيمياء المدينة مقرون بالدولة وحضورها الفاعل وأولها البنية التحتية، فبغيابها تنتفي المدينة وأشكال الحياة.
مدينة تُعلم باستقلال القضاء فيها، لا قضاء فاسد يقف مع من استقوى، ويجير لصالح الديني والكهنوتي والمشيخي. مدينة تُعرف بالزهور، والتشجير، والغابات، والبحر والنهر، والجدول، لا مدن، متروسة بالقمامات والخردوات، والسوق السوداء، ومعتقلة بالعصابات والمليشيات في كل شبر منها، مدن السلاح فيها أكثر من الماء والشجر والغاز والتراب.
نعم، علامة المدن، المياه واللقمة النظيفة، لا أن تختلط مياه المجاري بمياه الشرب، وتسقى الخضار والفاكهة بها، يتوفر فيها الطريق الآمن ووسائل المواصلات المختلفة.
هكذا يكون حال المدينة، صورتها ولسانها، إنسانها، واستحقاقه لمطلب الحق في الحياة، والحق في مدينة تضمن العيش الكريم.
2-
مع وصول “العِكبار”
سأبدأ مقالتي هذه بقراءة الصورة واللغة لمدينة صنعاء، منذ يوم مغادرتي لها، يوم الخميس 23 مارس 2017. ولن أدخل في تفاصيل إحساس “معنى أن تغادر مدينتك خوفاً وقهراً، مدينتك التي تعشق كل شيء فيها بشرها، وشجرها وحجرها، حتى وإن قست عليك في بعض الأحيان، مدينتي التي احتضنت شبابي وتعليمي الجامعي، وتأسيس أسرتي، ونشاطي الثقافي”.
أستعير مقولة “ثمة مكان جيد لفهم الحاضر، ولطرح الأسئلة حول المستقبل، وهو أديم الأرض، مع السفر فوقها بأبطأ ما يمكن” ( ص9، انتقام الجغرافيا).
ومن يوم السفر أبدأ، ففيه غادرت البيت والركن والشرفة، وكوب القهوة وصوت فيروز، والحارثي، والموسيقى، وأصص الريحان والشذاب والبعيثران، والزبودة، والبردقوش/ الأزاب، والرنجس، والعطرة، والصباريات، وزهرة المسيح، غادرت المطبخ، التي مازالت روائحه تلاحقني، وليس بآخر، المكتبة، رئتي التي أتنفس بها، كتب أقتنيتها منذ أن كان عمري 15 عاماً، رفوف الكتب المصنفة، واللوحات التشكيلية، درج “المقارم”، و”الزنة” و”الدرع”، والبخور، وليس بآخر جزئي الذي تركته، بل روحي: فضتي، من الياقوت والكهرب حتى لو كانت أكثرها غير أصلية، لكنها سكنتني منذ أن عرفت معنى الفضة في مراهقتي، أتجمل بها في كل وقت، وفي كل مكان. ومنذ كان مصروفي بضعة ريالات أيام الدراسة أواخر الإعدادي، أصرف جزءًا منها على شراء الكتب، وبعضها الآخر: عقد، وخاتم، وقرط، وإسوارة، ويشهد باب الكبير في تعز، وباب اليمن في صنعاء، على ذلك.

من غادر الآخر، أنا، أم صنعاؤنا واليمن، لم أعرف حتى اللحظة من تخلى عن الآخر؟
كل ما أعرفه، غادرتُ الشبابيك، وخربشاتي في الدفاتر، وأقلامي التي أعتقد أنها تعطيني الأفكار، غادرت جيراني الأعزاء بعضهم سلمت عليهم، وأكثرهم لم أسلم عليهم خوفاً وخشية أن يتسرب خبر المغادرة، فالمليشيات كانت تغرق حوشنا، وشارعنا، ونفوسنا الهشة تخاف كل شيء، بما فيه ظلنا، غادرت دون أن أحضن أطفال الحوش الذين لعبت معهم، والتقطت لهم الصور وهم يلعبون ويضحكون، غادرت الشارع والبوفية، ومن كنت أتبادل معه التحايا والابتسامات الصباحية، في طريقي إلى العمل، ويردون على التحية بأكرم منها: تفضلي عصير ليمون يا أستاذة، لم أسلم على عم شرف، وهو يقول لي كل صباح، ومساء من 2011، ارجعي بيتك يابنت أحسن لك، ثورتكم ثورة قبايل وعسكر ومشايخ، وفقهاء، وأنا أضحك، وألتقط له صور بمشقر الريحان، وهو يؤشر بسبابته، اغضبي الشيطان يابنت عثمان، ماهيش ثورة، “بورة” يا بنتي، وبعد أشهر والحرب في شوارعنا والبيوت من “طاقة لطاقة”، وتهجير السكان، ومحله المغلق، وآثار الخراب على البيوت ووجوه الناس، قابلته، وابتدرني قائلاً: مش قلت لك، ما صدقتيني، ثورة ولا مش ثورة يا بنت عثمان، ونضحك معا حتى يتشغررين عيوننا بالدموع.
لم أودع الإسكافي، وصاحب البسطة، والعمة قبول عاملة النظافة، ومجنون حارتي الذي يجلس في الطرف القصي من شارعنا، بالضبط عند إحدى جداريات الجرافيتي، لـ”لون جدار شارعك”، لصورة إنسان “سيزيف اليمن”، باللون الأسود، يحمل صخرة على ظهره من علو منحدر. غادرت الرصيف الضيق المهشم، والقمريات، وأنس كان هناك وهناك، وإن قل كثيراً في لجة الحرب وتوحشها، لم أسلم على حراس بوابة المجمع. غادرت عمري الذي كنته في صنعاء منذ أن كان عمري 19 عاما، منذ أن وطأت أرضها منتصف 1984، لدراسة الفلسفة في كلية الآداب جامعة صنعاء. وصورة اعتداد بالنفس: طالبة “سوق الصميل” بتعز إذ تحل على جامعة صنعاء. حاجة مدهشة آنذاك مصحوبة بـ”فشرة” خفيفة!
في ذلك الصباح، حشرت نفسي وابنتي في الدباب الأبيض، أو ما يطلق عليه في تعز “العكبار”، بين جموع المسافرين، رجالاً ونساءً، وعفشهم الذي يزاحمنا في مقاعدنا، وبين أرجلنا، وفي كل شقوق “العكبار”، ناهيك عن سقفه التي كانت حمولته حمولة قاطرة.
كان صباحاً دافئاً، من أيام الربيع، لم أنم ليلتها، ولياليها من قبل ومن بعد أيضاً، ما بين توجس، يتعالى بالخوف، ضياع الهدف، إلى أين، ولماذا، وكيف..الخ، أسئلة بلا إجابة حتى اللحظة. ما بين وداع، وتأمل وتألم، وآهات أسكبها هنا وهناك، على الجدران، والمكتبة والكتب، والفرش، والمخدات، وطاولة الكتابة، والمطبخ، وركن الصحون الزجاجية والأكواب التي لم أستخدمها، أنتظر الحفلة التي لم تأت حتى اليوم. أغرس نفسي بين ثنايا الصور، واللوحات، والركن الصغير لمكتبي. طعفرة نفسية وذهنية وجسدية، تشظيات “أسافر/ ما أسافرش”، وتفتيت المفتت الذي عشته سنوات ويعيشه كل اليمنيين، ذهانيات أسئلة الحرب والاقتلاع اللانهائية!
**
في ذلك اليوم على الساعة السادسة صباحاً تقريباً، رن زمور/هاون دباب الرحلة، أنزلنا الأغراض، شنطتان، واللابتوب والكاميرا، ووثائق الهوية، وكان السؤال في لجة ما نشاهده ونسمع به، تلك البولسة المريضة لذهنية المليشيات المستعرة والمنتشرة كالذباب في الطرقات والنقاط التي لا تعد ولا تحصى، فلو نجوت بالصدفة من مليشيات الحوثي، فلن تنجو من مليشيات بما يطلق عليها “المقاومة، أو عصائب الانتقالي، إنهم مهوسون بأجهزة التليفونات، والكمبيوتر والكتاب، والكاميرات والصور، إنهم يقبضون على عقلك قبل جسدك، يا ترى، أين أخفيهم، هل بين الملابس في الحقيبة، أم داخل شنطة اليد؟ أم تحت الشرشف”، لكنها كاميرا، ولابتوب فيه كل شيء يخص عقلي وروحي؟ أين أخفيهم ياربي؟
وفي لحظات الضعف، عملت كما يعمل كل ضعيف وهش، أن أدخلهن في الحقيبة وعلى الله، فالله الحافظ، وعليه توكلنا. وكما طمنّي أحد المقربين، من أن (بعض) المليشيات لا تفتش شنط النساء، وكله يعتمد على الحظ، (أضحكني نصحه، وهو يهمس لي، أول ما تشوفي المليشيات، اقرئي المعوذتين، قل أعوذ برب الفلق، وسيذوبون).
لكن هل توقفت الطعفرة؟
كانت حالتي مغيبة: “هلني ومهلنيش”، أو كما قال غليانو”أنا حفنة من ألياف ممزقة”، حيث ظللت مثل المجنونة، أطلع وأنزل ثلاثة أدوار، من الشقة إلى الدباب، مرات عديدة، لا أدري لماذا، هل أبحث عن شيء ما نسيته؟ لا أعرف حتى اللحظة؟ فقط عيوني تصور وتخزن كل شيء.
لم أستطع تفسير سر خفة ذلك الطلوع والنزول، وأنا أعاني من ألم العظام، بسبب الحبسة لما يقارب من سنتين وثلاثة أشهر في الشقة. حتى اللحظة لم أعرف لماذا بعد أن كنت أستقل مقعدي في الدباب وأجلس، وفجأة أقفز بين العفش، أقول للسائق والركاب لحظة من فضلكم، ثم أنزل، وأهرول نحو البيت، ثم أرجع بعد قليل أصعد مرة أخرى، وهكذا، كأنني ألعب “ملاحقة” أنا ونفسي. أما السائق ظل يتكظم. وأخيراً، كان صوت هاون الدباب عالياً، وبنبرة غضب، تأخرنا يا والدة، هيا بسرعة، هل في شيء أضعتيه؟!
كان السائق والركاب ممتعضون، فقد تأخر الوقت، وبالتأكيد لم يجدوا جواباً لسر “اللهفة” المضاعفة التي انتابتني لحظة وصول “العكبار”. وفي الأخير، اكتشفت أني أخذت المفاتيح معي، وكتاب “مشعته” من أحد رفوف المكتبة، كيف أخذت المفاتيح، ومازال منصور في البيت؟ إنها لسان اللامغادرة، الروح الملتصقة بالجدران، لقد سكنت هناك، علها بين أوراق رواية، وديوان شعر، وأساطير وحزواي الشعوب، أو سجادة “الزعل المأربية”، نعم الروح مازالت باقية، لسان حالها “نعم سأغادر، وسأرجع بعد ساعة، سأذهب إلى باب اليمن ربما، أو شارع حدة، وأرجع كالعادة”، لكني، لم أرجع حتى اليوم، ها نحن سندخل السنة السادسة، والمفاتيح في قعر الحقيبة، نعم، لم نرجع. “راجعين، ياهوى راجعين”، لم يكن سوى صوت فيروز الصباحي في المنفى، يبدد قليلاً من وحشة، معنى اللابيت، ومعنى اللا”صنعاء”، أن تكون عار منهما. فحبل المليشيات يغلظ ويخنق ويفتك، هكذا تقول المفاتيح المنسية، والتفتيش المهووس بالصور كل يوم وكل ساعة، بمعنى اتركيني أنام، عاد المراحل طوال، ربما، لا نهائية، نعم، لسان حالها، ليس ثمة ضوء في آخر النفق، ولسان آخر، لن أسامحه، لقد “زدت علينا يا فتحي أبو النصر وأنت تردد كل ساعة سـ”ننجو”.
ظل “العكبار” يترنح بنا طوال الرحلة، من شدة تكدس العفش والركاب، وظل يواصل مشاويره في الشوارع والحارات، يأخذ طرود الناس من رسائل وعفش، ونحن خائفون من دورانه المارثوني، نحدثه بأن يكف عن ترس الدباب بالمزيد من الحمولة والأثقال، لكنه لا يسمع فهو متعود على ذلك التكدس، فـ”كله على الله”، فسائقنا مدين لأسر بأكثر من نفس، وفي رقبته العديد من الضحايا، منها قريبة لنا. كان التعاقد معه أن يوصلنا الى “الراهدة”، ومنها انطلق مع ابنتي الى “عدن”.
3-
صورة صنعاء من نافذة “العِكبار”:
السماء تمطر جثثاً في شارع “الستين”:
