لقاءات

حديث الابن عن أبيه.. حارس الهوية اليمنية المؤرخ والشاعر مطهر الإرياني

أخبار الآن- هند الإرياني:

عانى اليمني من ويلات الحرب، فأنشد: “يا قافلة عاد المراحل طِوال”، و”فوق الجبل”، و”لبيك يا مهد الهدى”، و”حارس البن في وادي سبا غير غافل”، و”يا بلادي نحن أقسمنا اليمينا”، وتغرّب فغنّى: “البالة”، و”لهفة الغريب”، وعاد إلى أرضه، فغنّى: “ما أجمل الصبح في ريف اليمن”، و”هيا نغني للمواسم”. عشق، فدندن: “خطر غصن القنا”، و”يا صبايا البلد”، و”الحبّ والبن”، و”صوت فوق الجبل”، و”وقف وودّع”.

هكذا رافق مطهر الإرياني اليمنيَّ في حلِّهِ وترحاله.. كانت لهفتُه لليمن “لهفة الشجر للمطر، لهفة الثمر للجنى ساعة البُكَر”.. حاولنا أن نضيء جانباً ولو بسيطاً من حياة المؤرخ أولاً والشاعر ثانياً كما كان يحب أن يوصف “مطهر الإرياني” عبر حوار مع ابنه  “أيمن مطهر الإرياني”، فإلى الحوار:

كيف كانت بدايات مطهر الارياني مع الشعر، وما أول أشعاره الغنائية؟

عشق مطهر الشعر في مطلع حياته فكان يختلي بنفسه في اطراف القرية وحده مع الطبيعة ليقرأ في الشعر الفصيح، والحميني، وكانت من أحب القصائد إليه والتي حفظها من كثر ما رددها ما خلَّفَه القاضي عبد الرحمن بن يحيى الآنسي من إرث شعري. وبدأ بعدها في كتابة قصائد فصيحة، وحمينية لم يحتفظ بها فقد كانت أقرب إلى النظم منها إلى الشعر. ثم كانت النقلة النوعية في قصائده التي احتواها ديوانه فوق الجبل. والتي اعتبرها البردوني نقطة فاصلة في الشعر اليمني الحديث.

فالبالة، والحب والبن، وخطر غصن القنا، هي من أوائل أشعاره المنشورة، والمُغناة.

مطهر الإرياني
المؤرخ والشاعر مطهر الإرياني في أحضان الطبيعة

احكِ لنا عن رحلة الشاعر مطهر الإرياني للسفر، والدراسة خارج اليمن مع أخيه عبدالكريم الإرياني رحمهما الله؟

مطهر وعبدالكريم طفلان يتيمان الفارق بينهما عام (مطهر أكبر) ترعاهما الأم، وبمتابعة الأخ الأكبر فضل، وجميعهم برعاية كبير الأسرة عمهم القاضي عبدالله بن يحيى الإرياني، درسا في الطفولة، وتلقى تعليمه الأول في إريان، والتي كانت (هجرة) يأتي اليها الطلاب من الأماكن المحيطة، وكانت تصل -عبر عدن- إلى إريان سراً بعض الكتب، والدوريات المطبوعة في مصر، والتي توحي ببداية نهضة جديدة ثقافية، وعلمية في مصر، وكان يطّلع عليها شباب الأسرة. كما كانت رسائل القاضي عبدالرحمن القادمة من سجن حجة تحث الأولاد على الخروج للدراسة خارج اليمن حيث العلم الحديث.

في إحدى سنيّ خمسينات القرن الماضي اعتمد القاضي (عبدالله) على الشاب (عبدالكريم) في الذهاب إلى عدن برفقة بعض الذاهبين لبيع محصول البن الذي كان يزرع في وادي (حوار). وكان هناك موافقة شفهية من القاضي (عبدالله) لـ(عبدالكريم) بألا يعود اذا وجد فرصة للسفر إلى القاهرة. فقام ببيع المحصول في عدن، وأخذ مصروف الفترة الأولى. وأرسل بالباقي من قيمة البن إلى عمه مع العائدين لـ(إريان)، وبلغ الموضوع الإمام، فغضب غضباً شديداً.

وبعد ترتيب أوضاعه في القاهرة أرسل عبدالكريم رسالة لأخيه (مطهر) ليلحق به في أقرب فرصة. فكان رأي عمهما القاضي (عبدالله) أخذ موافقة الإمام حتى لا يغضب إن تم الموضوع دون علمه، فرفع القاضي طلبا للإمام توَّجَه بالديباجة المناسبة، والمجاملة المعتادة، والطلب في آخره بالسماح لـ(مطهر) بالسفر، وبعد فترة طويلة جاء الرد من الإمام: “هجرة إريان معقل من معاقل العلم، فيكفي الولد ما قد تعلمه في إريان. ولا داعي للسفر”.

طبعا الوالد اضطر أن يهرب بعدها من حصن ريمان خلسة حتى لا يحرج عمه، ومن هناك انطلق إلى تعز، ومنها إلى رئة اليمن ومتنفسه (عدن)، حيث التحق بأخيه في القاهرة.

‏كيف كانت علاقة مطهر بأخيه؟

كان الفارق في العمر بين (مطهر)  و(عبدالكريم) حوالي العام، وقد كانت علاقتهما ببعضهما قوية لتقارب عمريهما، وكونهما يتيمين، وكان أخوهما الأكبر (فضل) هو الراعي لهما، والمشرف عليهما، فلم يتفارقا أبدا في القرية، ثم في القاهرة. وشاءت الأقدار في بداية الستينيات أن تنفصم العروة الوثيقة بينهما، فيذهب (عبدالكريم) إلى الولايات المتحدة للدراسة، ويمكث فيها ما يزيد عن عشر سنوات، ويعود (مطهر) إلى اليمن بعد تخرجه إلا أن القلوب ظلت متصلة إلى أن عاد (عبدالكريم) من أمريكا.

ثم أن مشاغل الحياة أخذت مطهر إلى التاريخ، والشعر، و(عبدالكريم) إلى السياسة لكنهما لم يتركا فرصة، أو إجازة إلا واجتمعا، يقضون الساعات في التنقل بين مواضيع الأدب معرجين على التاريخ، والسياسة. فلا يدرك المستمع لحديثهما مَن هو الأديب مِن السياسي.

‏كيف كان الشاعر مطهر الارياني في بيته. كيف كان يعامل أبناءه؟

في طفولتنا كان الوالد حازما في متابعة دراستنا، وتحصيلنا العلمي. وأتذكر في الصف السادس حين كنا في سوريا طلبت المدرّسة كتابة بحث من

مطهر الإرياني
الشاعر وهو يوقع أحد دواوينه

كل طالب، ووزعت مواضيعه، فكان من نصيبي كتابة بحث عن (البيروني)، فسعد الوالد بذلك وأخذني للمركز الثقافي، والذي يحتوي على مكتبة عامة، وطلب كتب عن (البيروني)، ووجهني في كيفية الاستفادة من المراجع لكتابة بحت مختصر عنه. كما أنه كان يتعمد إذا سألناه عن معنى كلمة عربية صعُب علينا فهمها أن يطلب منا العودة إلى المعجم بدلاً عن إجابتنا بشكل مباشر عن معناها، بل أنه كان يطلب منا في مرحلة عمرية أعلى أن نرجع إلى معاجم تأخذ بأواخر الكلمات لا أولها، ليتأكد من فهمنا لطريقة البحث في كل منهما.

وعندما كبرنا تعامل معنا الوالد بالمثل القائل (اذا كبر ابنك خاويته)، وكنا نتشارك معه المواضيع المختلفة، ونستمتع بمعلوماته المتنوعة في كثير من المواضيع.

‏هل هناك من أبنائه (أو بنته) من يقول الشعر؟

كتب (أوس)، و(علي) الشعر، وقد شجعهما على ذلك في حياته.

‏لماذا توجه الشاعر مطهر الإرياني لقراءة الخط المسند، وكيف حدث ذلك؟

مطهر الإرياني
الشاعر مطهر الإرياني يقرأ خط المسند

عندما كان الوالد في كلية دار العلوم في القاهرة أثناء دراسته الجامعية في نهاية الخمسينات كان من ضمن المواد المقررة عليه اختيار دراسة لغة قديمة، إما العبرية، أو الفارسية التي كان يدرسها البرفسور (حسين فيض الله الهمداني)، فاختار الوالد العبرية. ومن ثُم استدعاه البرفيسور (حسين) إلى مكتبه، ونترك سرد ما حدث بلسان الوالد. إذ قال: “واستدعى الدكتور الهمداني هذا الطالب إلى مكتبه، وقال له بلغة فصيحة، وبرزانة، وأناة، وبشاشة: حسنٌ يا بني.. اخترت العبرية، وكنت أتوقع أن أراك في فصلي. هل اخترت العبرية لرأي تراه؟ فقال الطالب بخجل شاب قادم من أعماق ريف اليمن إلى القاهرة: اخترت العبرية لأنها فرع من اللغة السامية الأم، والحميرية أيضا فرع من اللغة السامية. فظهر الانشراح على وجه الأستاذ الدكتور، وقال كأنه يخاطب نفسه: أخيرا وجدت الضالة المنشودة. ثم وجه الخطاب إلى الطالب قائلا: اسمع يا بني لقد درست في ألمانيا، وكان من أساتذتي في مادة التاريخ القديم الدكتور (….فيسمان-أو ليتمان- لا أتذكر)، وهو مستشرق يعرف اللغات السامية، ومنها الحميرية، وقد تلقيت علي يده دروسا فيها.. وأنا رجل مسنٌّ أخشى أن أموت دون أن أعطي هذه الحصيلة إلى من يرغب فيها. هل لك يا بني أن تريحني من هذه المهمة”.

ودارت في ذهن الطالب خواطر سريعة.. يا لهذا الحظ الحسن! طالب يعرض عليه أستاذ بحجم (الهمداني) أن يحمل عنه هما.. يا للفرحة.. وعاد الطالب إلى نفسه. وقال بفرح، وارتباك: هذا شرف لي.. ويد لك عليَّ لا أنساها أبداً. ففكر الدكتور قليلا، ثم أخذ ورقة، وكتب عليها كلمات، ومد يده إلى الطالب، وهو يقول: إذاً.. يوم الثلاثاء من كل أسبوع في الساعة الخامسة مساءً  تأتي إلي في دارتي. وسأخصص لك ساعة كاملة من وقتي، والعنوان، وموعد الدرس مكتوبان في هذه الورقة.

فأخذ الطالب الورقة، وصافح الدكتور شاكرا، وهو يكاد يطير فرحاً لأنه كان قد شق لنفسه طريقا إلى قراءة النقوش المسندية، على يد أستاذه البرفيسور (حسين الهمداني).

وعلى مدار ثمانية عشر أسبوعا، داوم الاستاذ على موعده مع تلميذه. فتلقى عنه ثمانية عشر درسا، لايزال يحتفظ بكراريسها معه إلى اليوم.

كان الدكتور الهمداني عالماً كبيراً، وإنساناً حضارياً منظماً. تأخر التلميذ مرة ست دقائق عن الموعد، فاستقبله أستاذه ببشاشة كالعادة، ولكنه نظر إلى ساعته. وقال بكل هدوء: تأخرت ست دقائق، محسوبة عليك من وقتي المسموح لك. ولم يتأخر بعدها أبداً، فقد كان الدكتور (الهمداني) مثالا للعالم الذي يعطي بسخاء، ويوجه بتدقيق وحكمة).

‏ما هي الكتب التي تنصح بقراءتها من كتب شاعرنا؟

لوالدي ديوان (فوق الجبل) يجمع أغلب أشعاره، وكتاب (نقوش مسندية وتعليقات)، لكن -وهذا من غريب الأمور- أجد المتعة في قراءة (المعجم اليمني في اللغة والتراث)، فعلى الرغم من كونه معجماً للكلمات اليمنية الخاصة مما يعرفه الوالد من ألفاظ منطقته. ومما ألم به من اللهجات اليمنية الأخرى. ورغم أن القواميس والمعاجم مكانها الرفوف لحين الحاجة إليها. إلا أني أستمتع بقراءته لكثرة الاستدلالات من الشعر الشعبي، والقصص التراثية، وبعض نقوش المسند.

‏كيف تشعر عندما ترى الجيل الجديد يعطي والدك لقب حارس الهوية اليمنية؟

من الطبيعي أن أشعر بالسعادة، وهو لقب أطلق عليه لنشاطه الدائم في إبراز الشخصية اليمنية، وخاصة الفلاح عماد البلاد، وروحها.

وهذا اللقب هو عبء علينا -أولاده-، فعلى الأقل -وإن لم ننشط في الكتابات الأدبية- إلا انه يحدد توجهاتنا بأن نلتزم بمسار الوالد بكل ما هو خير لليمن، واليمنيين. وأن نرفض أي محاولات لطمس الهوية اليمنية لصالح أي فكر خارجي غير إيجابي.

‏بماذا كان يفكر في أيامه الأخيرة؟

الحزن، ولا شيء غيره سكن روحه في الشهور الأخيرة. فمرِضَ لمرض الوطن، واهتمّ لما نزل عليه من الهم. وأوجعه ما أصابه من وجع، وهو يرى ما بذل من أجله جيل الثوار الغالي، والنفيس يضيع. و يُباع في دكاكين الخيانة.

‏ماذا تتمنى أن تقول له اليوم؟

لقد اخترت ان يتوفاك الله في الوقت المناسب، فالآجال مكتوبة لكن الإنسان قد يفقد الرغبة في الحياة، ويستسلم إلى الموت، فيكون ذاك أجله.

فلو عشت إلى الآن لما تحمل قلبك رؤية ما يحدث من أوجاع في جسد الوطن، وفي الانتكاسة التي حدثت لثورة 26 سبتمبر المباركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى