انطلقت اليوم الثلاثاء، فعاليات مهرجان بيروت للأفلام الفنية الوثائقية بنسخته الثامنة، التي تستمر حتى 18 من شهر نوفمبر الجاري، في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة بجامعة ألبا (الدكوانة، شرق بيروت).
وينظم المهرجان الذي يقدم خلال هذه النسخة، أكثر من 40 عرضا، إلى جانب ندوات وجلسات نقاش، وعروض فنية، بدعم من عدد من المؤسسات المحلية والدولية، منها السفارات الإسبانية والبلجيكية والسويسرية والمركز الثقافي الإيطالي في لبنان.
وبعد 18 نوفمبر، سيواصل مهرجان بيروت للأفلام الفنية الوثائقية العروض الافتراضية (أونلاين) عبر منصة “زووم” ابتداءً من 4 كانون الأول/ ديسمبر المقبل وحتى 24 أيلول/ سبتمبر 2023، وفق ما ذكرت صحيفة العرب.
واعتاد مهرجان بيروت للأفلام الوثائقية الفنية، منذ انطلاقه، أن يتمحور في كل نسخة حول فكرة أساسية تدور في فلكها كل العروض والندوات المرتبطة بها. والفكرة الطاغية هذه السنة هي باقتضاب شديد التمسك بوضوح الذاكرة الفردية والجماعية المتضمنة لأهوال كثيرة والإصرار على تحقيق وإنجاح الأحلام الفردية والجماعية في آن واحد بعيدا عن اضطهاد الماضي المُلقي بأشباحه عميقا في الوجدان.
وتذكر مؤسسة ومديرة المهرجان أليس مغبغب أن “المهرجان يهمه إظهار الصعوبات التي واجهها الفنانون في حياتهم كي يصلوا إلى ما هم عليه من نجاح. سنعثر في الأفلام على مهندس معماري باسم أنطوني غاودي تحدى الصعوبات الهندسية ليحقق حلمه، وعلى فنان غرافيتي باسم هارالد نيجيلي الذي أصدرت الدولة السويسرية مذكرة توقيف دولية بحقه. وعند عودته إلى زيورخ قام برش أكثر من 50 رسمًا على الجدران بعنوان ‘رقص الموت’، وعلى مخرج سينمائي إسباني باسم خوسي فال ديل عمر أراد من السينما أن تكون كاملة”.
وكالعادة لم يكن اختيار المهرجان لموضوع محدد كانتصار الأحلام على الخنوع، اختيارا اعتباطيا، بل كان نتيجة قراءة في أجواء وأحوال السنة التي تلت انقضاء المهرجان السابق. والتركيز في القراءة كان دوما على ما يحدث في واقع لبنان أولا، وما يمكن للمهرجان تقديمه من ناحية كنوع من صدى بصريفني لما يحدث، أي أن يكون مشاركة وجدانية، ومن ناحية ثانية أن يكون محاولة فنية غير مباشرة للإجابة عن تساؤلات وتقديم حلول مُمكنة كنوع من التحفيز ضد أي ضرب جديد من القنوط أصاب البلد وأهله.
أضف إلى ذلك براعة المهرجان في ربط الهواجس والهموم اللبنانية بانتقاء مناسبات فنية عالمية والاحتفاء بها عبر سلسلة من الأفلام وجلسات نقاش ومحاضرات شارك فيها عدد كبير من الاختصاصيين والفنانين، نذكر منهم الباحثة غادة والباحثة والفنانة الفوتوغرافية هدى قساطلي والبروفيسور جوزيف رستم والمخرجين هادي زكاك وزينة دكاش والكاتب اللبناني ربيع حداد والصحافية فيفي أبوديب والمهندس المعماري عبدالحليم جبر.
وتشير هذه الأسماء والكثير غيرها إلى وجود مراوحة واسعة من الاختصاصيين والعاملين في مجال الفن لأن الأفلام التي تضمنها المهرجان تراوحت بين فن الرقص والعزف الموسيقي والإخراج السينمائي والفن التشكيلي وفن الغرافيتي والشعر والأدب. والمتطلع إلى البرنامج الغني سيعرف أن الشخصية المحتفى بها هذه السنة هي الكاتب والمخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني بمناسبة مرور مئة عام على ولادته عبر عدد من الأفلام والمحاضرات وجلسات النقاش حولها.
ويذكر البيان الصحفي المرافق للمهرجان “بيار باولو بازوليني (1922 – 1975) شاعر قبل أن يكون سينمائيًا. ومع أولى نصوصه وضع بازوليني نفسه في صف الشعب وابتكر لنفسه عالمه الخاص. أثار بازوليني الغضب من حوله بسبب العنف الذي اكتنفته كتاباته. فقد شكّلت نصوصه اتهامات فظة لتنميط المجتمع الإيطالي ووقوفا في وجه السلطة، ويستحضر هذا الخيار التعقيد الذي يطبع علاقتنا بالعالم”.
وإضافة إلى الاحتفاء ببازوليني حرص المهرجان على تسليط الضوء على المخرج السينمائي ألفريد هيتشكوك عبر فيلم وثائقي ملحمي يتناول حياته إذ يصادف عام 2022 الذكرى المئوية لأول فيلم سينمائي له.
كما يتضمن المهرجان عددا كبيرا من الأفلام التي تحتفي بتخطي فنانين عرب وأجانب لمصاعب حياتية خاصة صحية واجتماعية أو متعلقة بأوطانهم خلال الحروب وما بعد الثورات وفي ظل تهديد أنظمة دكتاتورية. أفلام هي من ناحية أخرى تشير إلى قدرتهم على الإبداع في صناعة واقع جديد أكثر نصاعة، أو تشييد صرح مضيء على هامش عالم قاتم يحارب ذاته. نذكر من تلك الأفلام:
فيلم عن تراث مدينة حلب أعدّته هدى قساطلي، وهي مصورة فوتوغرافية مختصة بتراث مدينة بيروت التي دمرها اللبنانيون مع الاقتصاد والإعمار عبر السنين ثم انفجار مرفأ بيروت. وفيلم “3000 ليلة” للمخرجة مي المصري، وهو بحث عن الحرية وعن الحياة وعن الحب في الوقت الذي نشعر فيه بأننا نعيش في سجن.
وفيلم “إذا عدت. إرنست بينون إرنست وشخصية بازوليني” الذي يتساءل عن استمرار فكر بازوليني في الخيال الجماعيّ، ويشهد على الحزن الذي لا يزال يثيره، بعد أربعين عاما من تلك الليلة عندما اغتيل على أحد الشواطئ بأوستيا. وفيلم “زيارة، الموسم السابع” لدنيز جبور وموريل أبوالروس، والذي يسلّط الضوء على الأشخاص الذين تجاوزوا أعظم التحديات في الحياة واستمروا في المضي قدمًا بإيمان وإيجابية. وفيلم “بوتيتشيلي، فلورنسا وميديتشي” لماركو بيانغياني الذي يستكشف حياة بوتيتشيلي الذي تمكن من إبراز أضواء وظلال عصر النهضة في فلورنسا كمركز قوي للثقافة مع الجانب المظلم.
كما يتضمن المهرجان فيلم “جان ميشال باسكيات” الذي يستعيد حياة وأعمال الفنان النيويوركيّ جان ميشال باسكيات الذي ركزّت لوحاته على الانقسامات مثل الثروة مقابل الفقر وزاوج بين النص والصورة والتجريد وشكلت أعمالا مباشرة واضحة في انتقادها لاستعمارية السلطة والأنظمة العنصرية. ومن الأفلام التي تناولت فنانين تشكيليين مشهورين نذكر”العالم في لوحة، فلفل فيلاسكيز” و”دوار الشمس” عن الفنان فينسنت فان غوخ.
وكان للموسيقى والرقص نصيب مهم في المهرجان، وفي هذا السياق نذكر من الأفلام: “إنيو: المايسترو” و”الهارب”، و”لأجل اليد اليسرى” الذي يحكي عن عازف البيانو نورمان مالون الذي تعرّض في سنّ العاشرة، وكان قد أصبح آنذاك عازف بيانو بارعًا، إلى خلل جسديّ أصاب جانبه الأيمن بالشلل ولكن لم يكن عائقا لشهرته العالمية.
وكذلك فيلم “البحث عن الطرب” لساندرا جيسي وأحمد عبدالمحسن، وهو رحلة بحث إلى القاهرة للتعرّف على المشهد الثقافيّ وعلى المعنى الحقيقي للطرب، فتعرّفا على أمّ كلثوم في عالم الموسيقى العربية وعلى القاهرة في فترة ما بعد الثورة، والتي هي فريسة مخاوف من العودة إلى الحكم العسكريّ والتعصب الديني من خلال تحريك الأجساد بين النوتة الموسيقية والصمت، بين جنيف والقاهرة، بين الفشل والنجاح. نحن إذا على موعد مع جولة ثامنة من الفن الحيّ تتوج هذه السنة بالتبرّع بريع مبيع بطاقات الدخول لطلاب جامعة ألبا التي احتضنت المهرجان.