تقارير

معاناة نازحي الحديدة في مخيم المسيمير في أبين

  • مندوب المخيم: أكثر من ١٧٠ أسرة نازحة يعانون من قلة المساعدات وانتشار الأوبئة والأمراض

  • مسنة نازحة: لا نريد “فلوس” وكل مطالبنا تكمن في فرش نفترشه وبطانيات تكفينا شدة البرد

  • نازح: تحاصرنا في منازلنا ٦٠ يوماً ولولا تدخل الوساطات لإخراجنا لمكثنا إلى أن يقتلنا الجوع والقذائف

  • أحد الأطفال: نزحنا خوفاً من أن يأخذنا الحوثيون بعد أن رأيناهم يأخذون الأطفال من بيوتهم ومن المدارس بالغصب

تقرير- صابر السليس:

كثيرة هي التبعات السلبية للحرب الدائرة في اليمن، من أهمها تهجير الأسر من مدنهم وقراهم، ونزوح الناس من بيوتهم مُجبرين، لأسباب متعددة؛ فمنهم من ينزح خوفاً على أطفاله من مليشيات الحوثي من أن تأخذهم عنوة للقتال في الجبهات، ومنهم من نزح بعد أن تدمر منزله، وآخرين ينزحون من قراهم ومدنهم بعد أن أصبحت غير صالحة للعيش عندما تحولت إلى ميادين للقتال.

أبناء محافظة الحديدة.. لم تشفع لهم طبيعتهم المسالمة لتجنيبهم تبعات حرب حمقاء كحمق من قام بها، واقُحِموا في مخاضها، ليجدون أنفسهم مجبرين دون خيارات على النزوح، فنزح الكثير منهم إلى أماكن متفرقة، من هذه الأماكن “المسيمير” بمديرية جعار في أبين. 

“الشارع” نزلت إلى المخيم للاطلاع على أوضاع النازحين ولكي ترفع أصواتهم لعل هناك من يجيبها من السلطات المعنية والمنظمات، فوجدت النازحين من الحديدة في مخيم المسيمير، يعيشون أوضاعاً مأساوية، وظروفاً صعبة، ويعانون الأمرّين مُرَّ الاغتراب وترك ديارهم ومُر شظف العيش ونكده، ويكابدون العيش وسط جهود شخصية يبذلها الشيخ حيدرة دحة للتخفيف من معاناتهم مستخدماً معرفته لتأمين الأرض التي يسكنونها والمساعدات التي يتلقونها، في غياب تام ونوم عميق للسلطات اليمنية التي لم نعد نلمس منها إلا اسمها.

نزوح إلى المجهول

لم يكن للنازحين معرفة بأحد في المسيمير، وكانت وجهتهم نحو المجهول إلا أنهم وجدوا في أبين أرضاً زراعية يشابه مناخها مناخ تهامة ليجدوها المكان المناسب لحط الرحال والاستقرار، وما كان من أهالي المسيمير إلا أن دلوهم على منزل الشيخ حيدرة دحة الذي بدوره قام بالواجب دون تقصير.

مندوب مخيم المسيمير عبدالله حيدرة دحة تحدث عن كيف وصل النازحون، وعن المخيم وكيف تم إنشائه وكيف تواصلوا بالمنظمات لتدعم النازحين القادمين من محافظة الحديدة وقال: “وصلنا النازحون دون أي تنسيق إلى المسيمير بعد أن دلهم الأهالي على منزلنا ولم نجد أمامنا إلا القيام بالواجب معهم، في بداية الأمر وجدنا صعوبة في إيجاد المكان الذي سيقيم فيه النازحون لا سيما وأن عددهم ليس بالقليل ولكن بعد اجتهاد تعاون معنا أحد الخيّرين وأعطانا أرضاً كان يزرعها، وبعد ذلك تعاونا مع النازحين وقدمنا لهم كل ما استطعنا أن نقدمه من فرش وبطانيات وأواني منزلية؛ لأنهم لم يجلبوا معهم شيئا من احتياجاتهم الخاصة”.

وأضاف عبد الله أن “النازحين بدأوا يتوافدون بعد ذلك ليصل عددهم إلى أكثر من ١٧٠ أسرة بعد أن كان عدد الأسر ٥٠ أسرة وأنشأوا لهم عشش يصل عددها الآن إلى ١٥٠ عشة.

             عبدالله

تحدث عبدالله أيضاً عن معاناة النازحين والأمراض المنتشرة في المخيم حيث قال: “هناك حالات مرضية كثيرة مصابة بالكوليرا والشيكونجونيا (المكرفس) وكذلك الإسهالات التي فتكت بالمخيم وربما يعود سبب ذلك إلى شرب المياه غير الصالحة للشرب لعدم قدرة العديد من الأسر على جلب الماء من الآبار؛ مما اضطرنا للبحث عن من يمول شبكة مياه تصل إلى المخيم وقدمنا عدة مناشدات وطلبات بهذا الخصوص واستجابت لنا منظمة مكافحة الجوع وتكفلت بمد شبكة مياه من أحد الآبار إلى المخيم بمسافة ٧٠٠ متر، و ٢ خزانات في المخيم صالحة للشرب و ٣ خزانات غير صالحة للشرب بل للاستخدام الخارجي والغسيل وغيرها”.

وبمعرفة والد عبدالله الشيخ حيدرة دحة استطاع عبدالله أن يصل للمنظمات كمنظمة كير التي تكفلت بالغذاء الذي قد لا يكفي بعض الأسر الكبيرة حيث يُقَدم لكل أسرة “عقد” سلة غذائية عبارة عن دبة زيت ٥ لتر و١٠ كيلو سكر وكيس دقيق وعدس، وقام بإقامة الحمامات للمخيم المجلس التنسيقي للنازحين في أبين، ومنظمة مكافحة الجوع التي أنشت شبكة المياه.

كبار السن في المخيم

المسنة فاطمة حسن من حي الشهداء بمدينة الحديدة نزحت مع أفراد أسرتها المكونة من ١٦ فرداً كما نزح غيرها، بسبب الحرب الدائرة في الحديدة خاصة بعد مقتل أبناء عمها وأبناء خالها وعدد كبير من شباب الحي الذي تسكن فيه، وتقول إنها نزحت في اليوم الثاني من شهر رمضان في العام الماضي بعد ما أصيبت هي، وأحفادها، وزوجات، أبنائها بالفجيعة نتيجة للقذائف التي تتساقط بجانب منزلهم وباتوا يخافون من أبسط الأمور؛ مما اضطرهم للنزوح قبل أن تتفاقم حالتهم وقبل أن يصيبهم سوء.

المسنة فاطمة مصابة بأمراض عديدة أهمها الأورام التي شاهدناها في ضهرها وصدرها وقالت بإنها غددُ انتشرت فيها منذ اندلاع الحرب في الحديدة.

وناشدت هذه المسنة المنظمات واصحاب الخير لدعمها وقالت بإنها لا تريد الفلوس أبداً بل تريد فرش لها ولإحفادها وبطانيات تكفيهم شدة البرد، حيث قالت: “نريد فرش وبطانيات حتى وأن كانت مستخدمة فذلك لا يهم”.

وأضافت الحاجة فاطمة “نحن لم نستلم شيء من المعونات والاغاثات التي تقدمها المنظمة للنازحين وقد سُجلت أسماؤنا في عدة كشوفات إلا أنه حتى الآن لم نستلم شيئاً من المساعدات المقدمة”.

وفي السياق ذاته قال الحاج اسماعيل صالح الذي يبلغ من العمر ٨٥ سنة أن له سنتين وهو بدون فراش ينام عليه ويقيه قساوة الأرض ويرتاح من همومه التي أتعبت كاهله بعد تلك السنين الجميلة التي قضاها في ربوع مدينته حيس.

ويشكو الحاج إسماعيل مآسيه مع الحرب بنفس مكلومة وعيناه تحكي الكثير من القهر والأسى وتحكي ما لم يستطع لسانه أن تنطق به على ما وصل إليه حاله.

وعندما سألناه عن طلبه وما لذي يريد وكنا متوقعين أن تكون مطالبه كبيرة إلى حد ما ولكن كانت المفاجأة عندما قال: “لا أريد سوى فراش أهتني بنومي عليه فقط لا غير”.

بين مطرقة الحرب وسندان المرض

معوقين ومصابين بأمراض عديدة كالقلب والغدد، وأرامل وأيتام، يعج بهم مخيم المسيمير، زادت الحرب “طِينَهُم بلّه” كما يقول المثل.

محمد علي صالح أحد أبناء حيس، أب لأربعة أطفال توفيت والدتهم في الحرب، أصيب بعدها بالقلب بسبب ما آلت إليه أوضاعه المعيشية ثم أصيب بعد نزوحه بجلطة ، قال محمد: “بعد أن توفيت زوجتي وخسرت عملي في البحر بسبب الحرب انقلبت حياتي رأساً على عقب وأصبت بمرض القلب الذي منعني عن العمل وجعلني مكتوف اليدين لا استطيع أن أعمل لا طعم أولادي أو اقوم برعايتهم”.

وأضاف محمد “عندما اشتدت الحرب وحمي الوطيس في حيس لم أجد أمامي إلا النزوح والهروب بأطفالي من جحيم الحرب واتجهت إلى حيث اتجه أبناء حيس من قبلي وأتيت المسيمير قبل سنة، أصبت بعد ذلك بجلطة أتت سليمة نوعاً ما ولله الحمد”.

وشكا محمد أوضاعه الصعبة وظروفه المعيشية فقال: “أنا أصبحت إنساناً عاجز عن العمل لا استطيع أن أوفر لأولادي قوت يومهم ولا استطيع أن أوفر قيمة العلاج الذي تبلغ قيمته كل شهر ما يقارب الـ 20 ألف ريال يمني ناهيك عن قيمة المواصلات من أبين إلى عدن والمصاريف الأخرى التي قد أحتاجها أثناء إقامتي للعلاج في مستشفى الوالي بعدن”.

  حصار ومعاناة

حصار كاد أن يقتل المواطنين الساكنين في ريف حيس، ومعاناة كادت أن تفقدهم عقولهم، لم تسمح لهم المليشيات الحوثية بالنزوح ولم توفر لهم ما يحتاجونه من سبل العيش وكانت تستخدمهم كدروع بشرية يحتمون بها من الطيران والقذائف.

وعن ذلك تحدث عباس علي صالح أحد أبناء ريف مديرية حيس وقال “تحاصرنا في ريف مديرية حيس لأكثر من ٦٠ يوماً قبل نزوحنا ولولا تدخل الوساطات لخروجنا من منازلنا في ريف حيس لمكثنا هناك إلى أن تفنينا القذائف والجوع”.

          عباس علي

 وأضاف “كان الحوثيون يحتمون بالساكنين في القرى ولا يسمحون لهم بالنزوح، وبعد تدخل الوساطات من المشائخ وغيرهم من ذوي الوجاهات سمح لنا الحوثيين بالنزوح ونعتبر ذلك فرجاً من الله”.

وقال “ثم نزحنا إلى حيس “المدينة” ومكثنا هناك سنة كاملة ولكن المعاناة لم تنته، بل كانت أشد وأقسى من ذي قبل فقد اشتدت الحرب في مدينة حيس وتساقطت القذائف عليها من كل حدب وصوب، وبعد أن ضاق بنا العيش ذرعاً قررنا أن ننزح من المدينة ونزحنا إلى أبين”

وأوضح “وفي نزوحنا قصة للمعاناة والمأساة، فقد لقينا من العناء ما لم يلقه أحد، فنحن أتينا أغراب إلى أبين ومكثنا في هذا المكان وجلسنا أكثر من ٦٠ يوم ونحن نستظل تحت الأشجار ونفترش الأرض ونلتحف السماء لعدم وجود أرضية نبني فيها عشش أو نقيم فيها الخيم، وما ترون وما نحن فيه الآن من تحسن هو بفضل الشيخ حيدرة دحة وابنه عبدالله مندوب النازحين؛ لأنهم هم من قاموا بمنحنا هذه الأرض وسمحوا لنا ببناء العشش فيها ووفروا لنا احتياجاتنا، ونحن أتينا ولا نملك أبسط الاحتياجات مثل الفرش والأواني المنزلية التي تصلح للطبخ بل لا توجد معنا حتى ما نستضل به من حرارة الشمس”. 

وقال “نعاني من انتشار الأمراض والفيروسات نتيجة للأوضاع التي نعيشها وعدم الرعاية الكاملة فانتشرت فينا الكوليرا والآن مرض الشيكونجونيا (المكرفس) منتشر بشكل كبير ويتم علاج الحالات المصابة على حسابنا الخاص ولم تقدم لنا المنظمات سوى (صابون) لمكافحة الفيروسات”.

 طفولة مهددة

تجنيد الأطفال أمر بات مفروض في قانون مليشيات الحوثي، وهو أمر محرم ويعد انتهاك لحقوق الطفل في القانون الدولي، ويعاقب مرتكبه، المليشيات تأخذ الأطفال عنوة من أمام أعين أمهاتهم وبعدم رضاء آبائهم.

الطفل عبد الرحمن عبدالله من مدينة الحديدة تحدث عن خوفه وخوف والديه من أن تأخذه مليشيات الحوثي للتجنيد وقال: “عندما أتى الحوثيون إلى الحديدة أخرجونا وقالوا لنا نريد أولاد وأمسكوا بأولاد صغار بالغصب وشلوهم من بيوتهم من أمام أعين أمهاتهم وآبائهم وهم لا يريدوا أن يذهبوا، إلا أن تلك الحملة التي أخذوا فيها هؤلاء الأطفال لم يأخذوني معهم، وكثير من الأطفال أخذوهم من المدارس من أمام مدير المدرسة والمدرسين دون أن يمنعوهم”.

عبدالرحمن عبدالله

وأضاف الطفل عبدالرحمن أن سبب نزوح أهله يعود إلى خوفهم من أن “يأخذونه الحوثيون للتجنيد والزج به في الجبهات خاصة بعد تردي الأوضاع في مدينة الحديدة، وعندما كان الحوثيون يرمون على منازلنا الرصاص والقذائف، رأينا أنه لابد من النزوح وهربنا أنا وأهلي من الحديدة وجلسنا يومين في الطريق بين عدن والحديدة ومن ثم أتينا إلى أبين واستقرينا في المسيمير”.

وعندما سألناه عن مصير الأطفال الذين يأخذهم الحوثيون أجاب الطفل ببراءة الطفولة الممزوجة بالحزن “يأخذوهم ويعلمونهم على استخدام السلاح ويدربوهم ثم يزجوا بهم في الجبهات، وهناك الكثير من الأطفال الذين أعرفهم جابوهم جثث بعد ما أخذوهم الحوثيون من بيوتهم بالغصب”.

 مناشدات

وقال النازحون إننا عبر صحيفة “الشارع” نوجه صرخاتنا مناشدين الجهات الحكومية والمنظمات وأصحاب الخير بتوفير ما نحتاجه من غذاء وعلاج وخيم ونحن في أمس الحاجة إليها.

وذكر النازحون أن العشش باتت تشكل خطراً على حياتهم خاصة بعد أن شبَّ حريق قبل أسبوعين في أحد العشش وانتشر إلى عشة أخرى ولو لا تدخل النازحون الذين فصلوا العشتين وأطفأوا الحريق لانتشر في كل المخيم لا سيما وأنها مبنية من قش الموز الذي يشتعل سريعاً.

تركنا النازحين وهم يلوحون بأيديهم ويوصوننا برفع أصواتهم ونشر معاناتهم، وكبار سن يظنون أننا منظمات يصيحون سجلوني وصوروني متوسمين الخير في كل من يأتيهم ليرفع عنهم المعاناة وشظف العيش، فهل من منقذ لهؤلاء؟

عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 25 فبراير 2020، العدد 1189.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى