لصوص المساعدات الإنسانية

-
هكذا تُنهب المساعدات الإنسانية والاغاثية في تعز من شبكة طويلة من اللصوص
-
تتعرَّض المساعدات للسرقة والتلاعب من أطراف عدة، بما في ذلك منظمات الإغاثة الدولية نفسها
-
كشوفات وهمية يتم عبرها نهب كميات كبيرة من المساعدات تُباع على عدد من التجار
-
لا توجد أي آلية لرقابة عملية توزيعها والتأكد ما إذا كانت تذهب إلى مستحقيها
-
كثيرون من الفقراء لم يستلموا أي مساعدات منذ بداية الحرب
-
عبر عُقَّال الحارات، ومندوبي السلطات المحلية، يتحكم حزب الإصلاح بعملية تسجيل المحتاجين، وتوجيه المساعدات لمن يريد
-
صارت المساعدات إحدى أدوات الاستقطاب السياسي، وشراء الولاءات، وفرض السيطرة على المجتمع
أحد العاملين في إيصال المساعدات:
-
نحن نوصل المساعدات إلى عُقَّال الحارات والمندوبين وهم يقومون بتوزيعها
-
لا أحد يعرف ما إذا كانت تُوَزَّع على المحتاجين والمستحقين لها، أو يتم التلاعب بها
-
هناك تلاعب واحتيال، وهناك سماسرة، ولا رقابة على عملية التوزيع
تعز- “الشارع”- تقرير خاص:
ناقلات محمَّلة بمواد غذائية، ومحتاجين يقفون في طوابير لتسلُّم بعضها؛ وعلى وجوه بعضهم ابتسامة خجولة منهكة بالتعب. تقوم منظمات ووكالات عاملة في مجال الإغاثة بصناعة هذا المشهد شبه اليومي، الذي يترافق مع ضجيج إعلامي واسع حول دور المانحين والمنظمات الدولية في تخفيف معاناة اليمنيين، الذين حولتهم الحرب إلى ضحايا، وأرقام في كشوفات المنظمات.
عدسة “الشارع” وقفت في أكثر من مكان يجري فيه توزيع المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتقاط صوراً عدة، ومن زوايا مختلفة، لعملية صرف تلك المساعدات، ولمخازنها، وبعض المستهدفين منها. وفي جميع الأماكن التي حضرتها الصحيفة، والصور التي التقطتها عدستها، لا يبدو المشهد بتلك الصورة المثالية، التي تروِّج لها المنظمات الدولية والأطراف المحلية العاملة في هذا المجال.
في كلِّ مشهد ترتسم المعاناة على وجوه الناس، مع علامات حزن وبؤس وقهر. يقف الناس في طوابير طويلة لاستلام المساعدات. بعضهم يفترشون الأرض في انتظار توزيع مواد الإغاثة عليهم.. بينهم نساء وأطفال ورجال كبار في السن. ترتسم المعاناة والغضب على وجوه الجميع، وليس السعادة والفرح كما تُرَوِّج لذلك بعض المنظمات العاملة في مجال الإغاثة، والعاملين معها.
المنظمات الدولية العاملة في مجال الإغاثة تقوم بدور إنساني مهم وكبير في اليمن. وهذا لا يمنعنا من الحديث عن السلبيات والمخالفات والأخطاء القائمة في مجال عمل هذه المنظمات. بالعكس، فاتِّساع رقعة الفقر في البلاد تدفعنا نحو انتقاد هذه الأخطاء، مدفوعين بحرص حقيقي على أن تصل المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى المستحقين لها. من هذا المنطلق قامت صحيفة “الشارع” بإعداد هذا الملف المحوري والمهم.
المساعدات الإنسانية في اليمن تتعرض لعمليات سرقة واسعة تقوم بها أطراف عدة، وعمليات نهب كبيرة قامت وتقوم بها مليشيا الحوثي. تتعرض المساعدات للسرقة والتلاعب من أطراف عدة، بما في ذلك منظمات الإغاثة الدولية نفسها. يتم سرقة الطعام من أفواه الفقراء والمحتاجين في اليمن. وفي الصورة النهائية يبدو أن ما يجري هو عملية استغلال ومتاجرة بهؤلاء الفقراء والمعدمين، تحت غطاء العمل الإنساني والإغاثي. وسبق أن نُشرت معلومات تفيد بتورط مسؤولين في منظمات تابعة للأمم المتحدة في سرقة مبالغ مالية كبيرة من الأموال المخصصة للمساعدات الإنسانية والإغاثية في اليمن. لنُرَكِّز على عمليات النهب واللصوصية التي تتعرض لها المساعدات من قِبَل اليمنيين المسؤولين عن توزيعها، وشبكات النفوذ المجتمعية المساندة لهم، والمتورطة معهم في عمليات النهب.
“الإصلاح” يتحكم بعملية توزيع المساعدات

في تعز، يتحكم حزب الإصلاح، ومراكز النفوذ المرتبطة به، بما في ذلك قيادات “الجيش” والعصابات المسلحة، بكل شيء تقريباً. هذه القوى تتحكم بالإيرادات والضرائب الخاصة بـ “الدولة”، وبالأسواق، وتنهب الأراضي والمباني الحكومية والخاصة، ما بالك بالمساعدات الإنسانية والإغاثية، التي تصل إلى المحافظة لتوزيعها على الفقراء والمحتاجين. ومهادنة المنظمات الدولية لمليشيا الحوثي، دفع جميع اللصوص، والعصابات المرتبطة بهم، إلى التحكم في عملية توزيع المساعدات، أو الضغط للحصول على حصة منها.
بقدر ما سعت قيادات “الجيش” في تعز نحو وضع أسماء وهمية في كشوفات مرتبات الجنود، سعت، على نحو أقل ربما، نحو وضع كشوفات وهمية بأسماء فقراء ونازحين، بهدف الحصول على كمية من المساعدات، عبر الاحتيال. وفي أحيان كثيرة يقومون بوضع أسماء من يريدون في كشوفات المنظمات، لتوجيه المساعدات إلى من يريدون. تقول المعلومات، أيضاً، إن حزب الإصلاح يقوم باستبدال بعض الأسماء، وغالباً من يكونوا من الفئات الأشد فقراً، بأسماء بعض أعضاء الحزب، أو أسماء وأُسر يريدون استقطابها للحزب.
شبكات اللصوصية وأساليب السرقة والاحتيال
أساليب الاحتيال والسرقة، التي تتعرض لها المساعدات الإنسانية والإغاثية، كثيرة؛ تبدأ من فساد المسؤولين في المنظمات الدولية، والمنظمات المحلية الشريكة لها، مروراً بفساد المشرفين على عملية توزيع المساعدات، ولا تنته بغياب الرقابة الدولية على عمل المنظمات، وبانعدام الضمير الأخلاقي والقيمي لدى القائمين بعملها في اليمن والأدوات المحلية العاملة معهم. إضافة إلى انعدام الضمير الأخلاقي لدى بعض القيادات المدنية والعسكرية التي لا تحول دون حدوث هذا الفساد، أو تكتف بأن تفرض لنفسها وأتباعها نصيب الأسد من المساعدات. وبين هذا وذاك تتعدد أساليب الاحتيال واللصوصية التي تتعرض لها المساعدات.
كثير من المشرفين على عملية توزيع المساعدات في تعز لهم ارتباطات بحزب الإصلاح، أو ببعض قيادته وأعضائه. وتتظافر كل الأساليب والإجراءات اللصوصية، وتؤدي، في الأخير، إلى حرمان كثير من الفقراء من المساعدات التي جاءت من أجلهم.
يتحكم حزب الإصلاح، مع بعض قادة “الجيش”، ومندوبي السلطات المحلية وعُقَّال الحارات، بعملية تسجيل أسماء المحتاجين للمساعدات الإنسانية والإغاثية، في الجزء الأكبر من مدينة تعز، وعدد من المديريات والمناطق التابعة للمحافظة؛ وبذلك فالمساعدات الدولية لا تُصرف إلا لمن يضع “الإصلاح”، وممثِّلي بعض قادة “الجيش”، وعُقَّال الحارات، ومندوبي السلطات المحلية، اسمه في كشوفات المساعدات. وهكذا، صارت المساعدات الإنسانية إحدى أدوات الاستقطاب السياسي، وشراء الولاءات، أو فرض العقاب، في تعز، كما في غيرها من المحافظات؛ وبشكل أكبر في المناطق والمحافظات التي تُسيطر عليها مليشيا الحوثي. وتتحدث المعلومات عن سيطرة مراكز القوى النافذة على كميات كبيرة من المساعدات يقومون ببيعها على بعض التجار. وكثير من المحال التجارية تبيع مواد غذائية قدمتها المنظمات الدولية كمساعدات للفقراء والمحتاجين في اليمن. وإلى ذلك، فالمساعدات الإغاثية صارت إحدى الوسائل غير المشروعة للحصول على الأموال.
وفي المستويات الدنيا يتحكم عُقَّال الحارات، وأعضاء في حزب الإصلاح، ومندوبي السلطات المحلية، في عملية توزيع المساعدات. وبهذا تتسع عملية سرقة المساعدات، وتذهب إلى غير المحتاجين الحقيقيين لها. وصل الأمر حد تقاسم هؤلاء للمساعدات، والسلال الغذائية المقدمة كمساعدات.. فيذهب جزء كبير من المساعدات نحو أعضاء الحزب، والأقارب والمقربين منهم، على حساب الفقراء المستحقين.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن حزب الإصلاح قام، خلال الفترة الماضية، شأن مليشيا الحوثي، بربط عُقَّال الحارات به، ومن لم يقبل ذلك تم استبداله بآخر من أعضاء الحزب، أو الموالين له. وهكذا، صار جميع عُقَّال الحارات في الأجزاء المحررة من مدينة تعز يعملون في خدمة حزب الإصلاح، وقيادات “الجيش” الفاسدة؛ لهذا، يلعب عُقَّال الحارات دوراً رئيساً في سرقة المساعدات الإنسانية، أو توجيهها كيفما يريد “الإصلاح”، وبما يخدم أهدافه وتوجهاته، وكيفما يريد بعض القادة العسكريين.
شكوى من الاستبعاد وأخرى من الاحتيال
أصيل محمد، أحد سكان حي عصيفرة، قال لـ “الشارع”، بنبرة حزينة: “استبعدونا من كشوفات المساعدات، بحجة أننا مش في الحزب [يقصد حزب الإصلاح]، ولا في الجيش”.

“من الذي استبعدك؟”. أجاب “أصيل”: “هشام الجندبي، شقيق العقيد عمار الجندبي، أركان حرب اللواء الخامس حرس رئاسي، هو القائم بأمر تسجيل كشوفات المحتاجين للمساعدات، والقائم على عملية توزيعها في حارة السعيد وعصيفرة”.
ويضيف الرجل: “لم أستلم أي مساعدات إنسانية أو إغاثية من بداية نشاط المنظمات الإغاثية، قبل خمس سنوات، رغم أنَّي محتاج وعاطل عن العمل، ولدي خمسة أولاد”.
يقول محمد منير، أحد سكان “حي السلخانة”: “أستلمُ كيس ونصف دقيق من أصل كيسين، ودبتين زيت وأربعة كيلو سكر وأربعة فاصوليا، وهذا هو ما يسمى سلة غذائية”.
يضيف محمد، في حديثه لـ “الشارع”: “أقرباء وجيران عاقل الحارة المسؤول عن توزيع مساعدات الإغاثة يستلموا من ثلاث سلال غذائية في كل عملية توزيع، ونحن لنا الله”.
استطرد: “اللقمة تجي من دول الخارج للفقير والمحتاج، وفي تعز محاصصة واضحة، يسطو عليها أعضاء الحزب وأقاربهم”.
إجبار الفقراء على دفع “مقابل حراسة”!
“الشارع” التقطت صوراً لبعض مخازن المساعدات في “حي السلخانة”، وأمامها طوابير من النساء والرجال والأطفال، في انتظار عملية التوزيع، التي عادة ما تبدأ بعد فترة طويلة من الانتظار في هذه الطوابير؛ فترة قد تمتد، أحياناً، إلى أسابيع.
أساليب السرقة والاحتيال، التي يقوم بها القائمون على توزيع المساعدات، كثيرة ومتعددة. ففي الوقت الذي يفترض أن تُسَلَّم مساعدات الإغاثة للمحتاجين والفقراء فور وصولها، يجري تكديسها في المخازن.
“الشارع” التقطت صوراً لعمال يقومون بإنزال مساعدات إغاثية من شاحنات نقل إلى مخازن، في وقت لم يكن الفقراء المحتاجين متواجدين أمام هذه المخازن. وفي كثير من الأحيان تبقى مواد المساعدات في المخازن حتى قرب انتهاء صلاحيتها، فيجري، في بعض الأحيان، بيعها على بعض التجار، بالسر طبعاً. وفي بعض الأحيان يتم تأخير توزيع المساعدات، لإجبار الأسر المحتاجة على دفع مبلغ مالي كإتاوة. وفي بعض الأوقات أجبرت كل أسرة فقيرة على دفع ألف ريال مقابل صرف المساعدة الغذائية الخاصة بها؛ تحت مبرر تكاليف حراسة وحماية المساعدات!
يقول سعيد علي للصحيفة: “يَخَلُّوا الإغاثة لمدة طويلة في المخازن حتى تنتهي، ولما نستلمها يكون الدقيق ممتلئ بالحشرات السوداء”. ويضيف: “ربع الإغاثة ستجدها في بيت عاقل الحارة ومندوبي ومشرفي عملية التوزيع.. يسرقوها.. يوزعوها للي يشتوى ويبيعوها.. لصوص”.
كثيرون لم يستلموا أي مساعدات منذ بداية الحرب
كثيرون من أهالي تعز يشكون من عدم حصولهم على أية معونات أو مساعدات إنسانية وإغاثية، منذ بداية الحرب وحتى اليوم.
سنان محمد، أحد النازحين الذين جاؤوا من الحديدة إلى تعز، قال للصحيفة: “أحصل على مساعدات من بعض الناس في شارع جمال، والمنظمات لم تقدم لي أي مساعدة”. ويضيف: “اسمي مدرج ضمن كشوفات المستحقين لصرف المساعدات الإغاثية، لكن لم أستلمُ أي شيءٍ حتى الآن”. وأشار الرجل إلى أنه حصل على معلومات تؤكد أن المسؤول على توزيع المساعدات الإغاثية يأخذ المساعدة الخاصة به، ويُسَلِّمها لأحد أقاربه (أحد أقرب المسؤول).
غياب آلية الرقابة
تقول المعلومات إنه، على مدى خمسة أعوام، تدفقت إلى اليمن مساعدات إنسانية بمليارات الدولارات؛ مكونة من أغذية وأدوية، وغيرها، تُسَلَّم عبر منظمات وصل عددها إلى أكثر من 900 منظمة ومؤسسة.
ووفقاً لتقرير نشرته وكالة “الاسيوشيتد برس” الأمريكية، الأسبوع قبل الماضي، فقد “تلقت الأمم المتحدة حوالي 3 مليارات دولار، في عام 2019، كتبرعات دولية لحملتها” الإغاثية في اليمن، “أي دون المبلغ الذي كانت تطمح لبلوغه وهو 4.2 مليار دولار”. وخلال الصيف الماضي، ناشد منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، ليز غراندي، “البلدان المانحة بمنح أموال أكثر للوصول للمبلغ الذي تطمح إليه” لتقديم مساعدات سنوية إنسانية وإغاثية في اليمن.
تفيد هذه الأرقام الدولية أن المساعدات الإنسانية والإغاثية المقدمة لليمن تبلغ نحو ثلاثة مليار دولار سنوياً. وبسبب الفساد الموجود في منظمات الأمم المتحدة، والقائم في المنظمات المحلية ومراكز النفوذ داخل اليمن، تبدو المساعدات التي تصل البلاد أقل من هذا المبلغ بكثير.
مراد غالب، أحد المعنيين بإيصال جزء من المساعدات الإغاثية إلى بعض أرياف محافظة تعز، قال لـ “الشارع”: “المنظمات الدولية توصل المساعدات إلى الميناء (ميناء عدن أو ميناء الحديدة)، وتتعاقد مع شركات لإيصال المساعدات إلى الأرياف مثل شركة “الجمل” في ميناء الحديدة، وتتعاقد الشركات معنا لإيصالها إلى أماكنها المحددة”.
يضيف مراد: “نحن نوصل المساعدات إلى عقال الحارات، وإلى مشايخ بعض الأحياء والقرى، أو إلى مندوبي التوزيع، وهم يقومون بالتصرف بها وتوزيعها على الناس، ولا أحد يعرف ما إذا كانت تُوَزَّع على المحتاجين والمستحقين لها، أو يتم التلاعب بها”.
سألنا مراد عن ما الذي عرفه طوال فترة عمله في هذا المجال، فقال: “في تلاعب واحتيال، وهناك سماسرة، ولكن نحن مهمتنا هي إيصال المساعدات الإغاثية إلى عُقَّال الحارات، والمشائخ، ومندوبي السلطة المحلية، وليس لنا علاقة بعملية الإشراف على عملية توزيع تلك المساعدات، أو التدقيق والتأكد من أنها صُرِفَت بالفعل إلى المستهدفين أو لا”.
عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 1 مارس 2020، العدد 1193.



