تقارير

شركة دولية قد تلجأ إلى التحكيم الدولي ضد اليمن جراء الخلاف حول قضية إنشاء مشروع خزانات ميناء رأس عيسى

بسبب عدم دفع الحكومة اليمنية مستحقات مالية للشركة

مصدر في شركة كيمي تك الهندية:

  • المبلغ المتبقي على الحكومة اليمنية، والواجب سداده، يبلغ نحو عشرة ملايين دولار

  • مماطلة الحكومية اليمنية في تحقيق تسوية مع الشركة الهندية، دفعت الأخيرة نحو المطالبة بتنفيذ بنود الاتفاقية الموقعة، والتي يتحمل فيها الجانب الحكومي، نتيجة لتوقف العمل وتعليقه، ما يصل إلى نحو 980 ألف دولار شهرياً كغرامات

  • مع احتساب فترة التوقف، فإن إجمالي الأموال التي يجب على اليمن دفعها للشركة الهندية، نتيجة للإهمال الحكومي وعدم الإسراع في تسوية الخلاف مع الشركة الهندية، تزيد عن 26 مليون دولار

 

“الشارع”- أسامة الظاهري:

في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2013م، أعلنت وزارة النفط، عن إنشاء ميناء نفطي في اليمن، بتكلفة إجمالية تصل إلى نحو مائة وستين مليون دولار.

وقالت الوزارة، في بيان رسمي، إن المشروع يهدف لإنشاء ميناء رأس عيسى النفطي، الذي سيحتوي على أربعة خزانات للنفط الخام بواقع 550 ألف برميل للخزان الواحد، وبقطر 85 متراً، وبسعة إجمالية تزيد على مليوني برميل، مع وضع احتياط لخزانين إضافيين، بسعة تزيد قليلاً عن مليون برميل.

وفي الخبر، الذي نقلته وكالة الأنباء الرسمية (سبأ)، فأن هذا المشروع الجبار، سيتم تنفيذه بين شركة صافر لعمليات الاستكشاف وتحالف شركتي كيمي تك وآي يو تي، الإماراتية الهندية.

في هذا التقرير، سنتتبع قصة هذا الميناء النفطي، الذي قررت اليمن إنشائه، بعد مرور أكثر من 27 عاماً على استخراج النفط فيها. كما سنبحث عن التفاصيل المغيبة التي حالت دون إنشاء هذا الميناء، وكيف تمكنت حكومة ما بعد ثورة 11 فبراير من تحقيق هذا الحلم الذي راود اليمنيين، وكيف غدت صافر أزمة تؤرق العالم؟

استهلال

يمثل القطاع النفطي في اليمن، أهمية استراتيجية بالنسبة للاقتصاد اليمني، منذ اكتشافه في منتصف ثمانينات القرن الماضي وحتى اليوم، نتيجة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي والموازنة العامة وميزان المدفوعات.

وتشير آخر الإحصائيات إلى أن إنتاج اليمن من النفط وصل إلى (56.36) مليون برميل تقريباً، نهاية العام 2012م.

تعود البداية الأولى للأعمال الاستكشافية عن النفط في اليمن، إلى العام 1938، من خلال تلك المحاولات التي نفذتها شركة نفط العراق في المناطق الشرقية، حضرموت والمهرة. تلتها محاولة شركة براكلا وديلمان الألمانية، في التنقيب عن النفط في المناطق الغربية في تهامة والصليف بالحديدة، أثناء حكم الإمام أحمد، في العام 1952م.

اكتشاف النفط

في العام 1981، تم التوقيع مع شركة هنت أويل الأمريكية، التي تتّخذ من دالاس، تكساس، مقرّاً لها، على التنقيب على النفط في اليمن، وبعد ثلاث سنوات من التنقيب، تم اكتشاف أول حقل نفطي في اليمن بمحافظة مأرب، حيث أعلنت شركة هنت عن الاكتشاف الأول في صيف 1984م، وفي العام 1986، كانت اليمن على موعد مع إنتاج واستخراج هذه الثروة.

شكلت تلك الخطوة دافعاً للتنقيب والبحث عن النفط في شبوة، والتي تم الإعلان فيها عن اكتشاف وإنتاج النفط في حقول عدة، وتم مد أنبوب نفطي لتصدير النفط، من الحقول المكتشفة إلى ميناء بلحاف على البحر العربي.

وفي العام 1993 تم مد أنبوب نفطي آخر، من قطاع المسيلة إلى منطقة الضبة بمحافظة حضرموت، على البحر العربي أيضاً، وبدأت عملية إنتاج وتصدير النفط حينها.

موانئ التصدير

توجد في اليمن ثلاثة خطوط رئيسية لنقل النفط الخام من مناطق الإنتاج إلى المنافذ البحرية، في كل من البحر الأحمر والبحر العربي. وتمتد هذه الأنابيب إلى موانئ التصدير الواقعة في ميناء رأس عيسى بالحديدة غرباً، وميناء بلحاف ـ بئر علي ـ بمحافظة شبوة، وميناء الشحر ـ الضبة ـ بمحافظة حضرموت، جنوباً.

بالنسبة لميناء الشحر، وشهرته بـ”الضبة”، فإن خط الأنبوب الممتد إليه من مناطق الإنتاج، يصل إلى نحو 138 كيلو متر، ويوجد في هذا الميناء أكبر خزان تصل سعته التخزينية إلى مليون برميل، إضافة إلى خمسة خزانات، بسعة تقدر بواقع 5 ألف برميل، لكل خزان.

في حين يبلغ طول أنبوب النفط بمحافظة شبوة نحو 210 كيلو متر، وتصل سعة الخزانات الخمسة في ميناء بلحاف، وشهرته “بئر علي”، إلى 126 ألف برميل لكل خزان.

أما بالنسبة لميناء رأس عيسى، والواقع على البحر الأحمر كخزان عائم، ويمتد إليه أنبوب نفطي يصل طوله إلى 493 كيلو متر، منها 9 كيلو مغمورة في البحر، لترتبط بالباخرة التي تتسع سعتها التخزينية لنحو 3 مليون برميل، ويتم منها تصدير النفط المستخرج من القطاع 18 بمأرب ونفط قطاع جنة بمحافظة شبوة وبعض الحقول المجاورة.

ويعد هذا الميناء، هو أول ميناء تم إنشائه، وضخ النفط إليه في اليمن، وذلك في العام 1968م. وتقف هذه السفينة التي أنشئت قبل 45 عاماً، في عرض البحر على بعد 60 كيلومتر، شمال ميناء الحديدة.

السفينة العملاقة

سفينة صافر، هي خزان نفطي عائم، شبه ثابت في المياه اليمنية العميقة، بالقرب من ميناء الحديدة، ومحطة تصدير للنفط.

بدأت سفينة صافر حياتها كناقلة نفط عملاقة، بعد الانتهاء من تصنيعها في اليابان عام 1976، من قبل شركة هيتاشي زوسين، تحت اسم “إسو اليابان”. اشتُريت لصالح اليمن عام 1986، وأرسلت إلى كوريا الجنوبية، لتحويلها إلى خزان عائم، بهدف تصدير النفط المستخرج من مأرب.

هنت الأمريكية

دشنت الشركة الأمريكية في اليمن، استثماراتها في استخراج وإنتاج النفط، في الثالث من سبتمبر/ أيلول 1981م، وعلى مدى 24 عاماً، وهي فترة الامتياز المتفق عليها مع الحكومة اليمنية، لم تقم الشركة ببناء بنية تحتية صلبة، إضافة إلى تبديدها للثروة القومية للبلد، عبر إحراقها للغاز الطبيعي في الهواء الطلق.

وكان البرلمان، قد خاض معركة شرسة في سبيل عدم تجديد الاتفاقية أو التمديد للشركة، وفي أبريل/ نيسان 2005 وافق مجلس الوزراء على توصية البرلمان، بشأن عدم تمديد أو تجديد الاتفاقية الخاصة بشركة هنت الأمريكية، في القطاع 18 بمأرب.

وفي الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني 2005، فسخت الحكومة عقدها مع شركة هنت، وتم إحلال شركة صافر الوطنية بدلاً عنها.

تملص

في الثاني من فبراير/ شباط 1992، وجهت وزارة النفط اليمنية خطاباً إلى إدارة شركة هنت الأمريكية، دعت فيه الشركة إلى إنشاء ميناء نفطي، بدلاً عن الميناء العائم، وأنها، إي الوزارة، ستقوم بتقديم كل التسهيلات المطلوبة لتنفيذ هذا المشروع.

غير أنه، وبحسب مصدر مسئول في وزارة النفط، تمكنت شركة هنت من التملص من مسؤوليتها آنذاك، وذكرت عدداً من المبررات؛ الأمر الذي دفع الوزارة إلى ترحيل الفكرة.

يقول المحلل الاقتصادي، محمد الجماعي: “الشركة رأت في ذلك تبديداً لأموالها، في منشأة لن تكون بحاجة إليها فيما بعد”.

مرثون

قبل أشهر قليلة من مغادرة شركة هنت للقطاع 18 بمأرب، تقدمت شركة فيكو، وهي شركة كندية، للحكومة اليمنية بدراسة اقتصادية، أكدت في مجملها على أهمية إنشاء ميناء نفطي في اليمن. كانت تلك الدراسة، هي الأرضية الصلبة التي اتكأ عليها صناع القرار بوزارة النفط، على مدى عقد كامل.

وظلت تلك التفاصيل هي ما يشغل بال كل من يتربع على عرش الوزارة، وخصوصاً منذ العام 2007م والذي شهدت فيه أروقة الوزارة استلام العروض المقدمة من عدد من الشركات العالمية، التي سعت للتنافس على المناقصة التي أعلنت الوزارة عنها في ذلك العام.

وبعد دراسة العروض المقدمة حينها، خلصت وزارة النفط، إلى اختيار شركة تركية لتنفيذ المشروع، بقيمة تقدر بـ 216 مليون دولار، غير أن الوزارة قررت في أبريل/ نيسان 2008، تعليق وتأجيل تنفيذ المشروع، لشحة الإمكانيات.

مكونات الميناء

يتكون المشروع، من الجزء البري، ويحتوي على أربعة خزانات للنفط الخام 550,000 برميل للخزان الواحد، وبقطر 85 متراً، وبسعة إجمالية تزيد عل مليوني برميل، مع وضع احتياط لخزانين إضافيين، بسعة تزيد قليلاً عن المليون برميل.

ويتضمن الميناء ثلاث مضخات شحن النفط الخام، بقدرة دنيا 30 ألف برميل في الساعة الواحدة، يتم تشغيلها بوقود مزدوج (نفط خام أو ديزل)، على أن يتم تشغيل مضختين، والثالثة احتياط.

وكذا عمل احتياطات لإضافة خزانات لاستيراد وقود الديزل مستقبلاً، بسعة مليون ومائة ألف برميل.

ويشمل المشروع تركيب وإنشاء خط أنبوب مناسب لتصدير النفط الخام للجهة الشمالية من رأس عيسى، لتحميل النفط مستقبلاً من الرصيف البحري في خليج كمران، لتحميل ناقلات النفط الخام بسعة 120 ألف طن.

كما يتضمن المشروع عدداً من المرافق الخدمية والمساندة مثل: منظومة قياس معايرة كاملة  لتصدير النفط الخام، ومحطة كهرباء بقدرة 5 ميجاوات، ومحطة تحلية للمياه، ومنظومة كشف ومكافحة الحرائق.

أما الجزء البحري من مشروع الميناء، فيشمل تركيب عوامة جديدة أحادية الارتكاز متكاملة، لربط وشحن ناقلات النفط الخام العملاقة بحجم سويس ماكس، ولتحل محل الخزان العائم صافر على البحر الأحمر.

تحول

قررت الحكومة في 2009، بحسب توصية المجلس الاقتصادي الأعلى، إلزام شركة صافر بالأشراف على تنفيذ المشروع، باعتبار أن مكونات المشروع جزء من منشآت الشركة.

وجاء في القرار، بسرعة دراسة الخيارات الفنية والمالية المتاحة، حسب نظام المناقصات المعمول به لدى شركة صافر، وذلك للتمكن بالخروج بالمشروع بكلفة توازي القدرة التمويلية المتاحة للشركة.

ونتيجة للكساد العاملي في 2010م، وما تلاها من ظروف سياسية مرت بها اليمن في 2011، تم تأجيل تنفيذ المشروع.

في مارس/ أذار 2013، كانت هناك خطوات جادة من قبل شركة صافر، لتنفيذ هذا المشروع، الذي تأخر تنفيذه كثيراً.

انطلاق

عقب فتح العروض، التي تقدمت بها عدد من الشركات العالمية، قررت شركة صافر، اختيار شركتين استشاريتين لمكونات المشروع البرية والبحرية، وكذلك مقاول التنفيذ، تسليم مفتاح.

تم اختيار شركة موت ماكدونالد الهندية البريطانية، كمستشار للأعمال الإشرافية على المنشآت البرية؛ وكذلك شركة  تريون الهندية، للإشراف على الأعمال البحرية.

و اختيار تجمع شركتي  كيمي تك الهندية الإماراتية، و أي أو تي الهندية الألمانية، لتنفيذ المشروع بالكامل شاملاً عمل التصاميم الهندسية الأساسية والتفصيلية والإنشائية، وشراء المعدات والمواد والتركيب والبناء، وكذلك التشغيل التجريبي بنمط تسليم مفتاح.

وفي العام 2014، بدأت شركة كيمي تك، بتنفيذ المشروع البديل الاستراتيجي لسفينة صافر العائمة المتهالكة، وتم إنجاز 80% من المشروع.

ومع اجتياح الحوثي لصنعاء، وتمدده في أنحاء متفرقة من اليمن، قامت جماعة الحوثي باقتحام الميناء، وفرض سيطرتها عليه، وهو ما أدى إلى توقف الشركة الهندية عن مواصلة تنفيذ المشروع.

مسار آخر

مع خضوع رأس عيسى للحوثيين، قال وزير النفط، المهندس أوس العود، في مقابلة لصحيفة 14 أكتوبر، بأن وزارته تعكف على إنشاء بديل آخر، يكون بمثابة ميناء جديد لتصدير النفط الخام القادم من مأرب وشبوة.

وأوضح، بأن ميناء رأس عيسى، لم يعد مجدياً، بسبب وقوعه تحت سيطرة الانقلاب، وكونه على مسافة بعيدة جداً من القطاعات النفطية، خصوصاً مأرب وشبوة، وأن الخيار الحالي الذي تقوم به وزارة النفط، هو مد أنبوب نفطي ليصل إلى ميناء رضوم، في البحر العربي، يكون بديلاً عن رأس عيسى بالحديدة، في البحر الأحمر.

تجاهل

تلك التصريحات، وتجاهل الحكومة وشركة صافر للمحاولات التي بذلتها الشركات المنفذة للمشروع لتسديد مستحقاتها المالية، إضافة للوصول إلى أي تسوية بين الطرفين، وفقاً للعقود المبرمة والاتفاقيات الموقعة، دفعت شركة كيمي تك إلى للبحث عن خيارات بديلة، والتي من شأنها الذهاب نحو تحكيم دولي حول قضية إنشاء مشروع خزانات رأس عيسى.

في حين يرى عدد من المراقبين، بأن أطرافاً في الحكومة، تسعى نحو دفن هذا المشروع، والعمل على نقله إلى سواحل البحر العربي، لأسباب مناطقية بحتة، رغم التكاليف المضاعفة التي ستتكبدها الحكومة اليمنية، نتيجة هذه الخطوة.

خسائر مالية

وفقاً لمصدر في الشركة الهندية، فأن المبلغ المتبقي على الحكومة اليمنية، والواجب سداده، يبلغ نحو عشرة ملايين دولار.

لكن المماطلة الحكومية في تحقيق تسوية مع شركة كيمي تك، دفعت الشركة نحو المطالبة بتنفيذ بنود الاتفاقية الموقعة، والتي يتحمل فيها الجانب الحكومي، نتيجة لتوقف العمل وتعليقه، ما يصل إلى نحو 980 ألف دولار شهرياً؛ كغرامات.

ومع احتساب فترة التوقف، فإن إجمالي الأموال التي يجب على اليمن دفعها للشركة الهندية، نتيجة للإهمال الحكومي وعدم الإسراع في خلق تسوية مع الشركة الهندية، تزيد عن 26 مليون دولار.

قنبلة عائمة

مع سيطرة الحوثيين على ناقلة النفط صافر، والتي لم تخضع لصيانة، منذ أكثر من خمس سنوات بسبب تعنت جماعة الحوثي، تبدو صافر كأزمة تؤرق العالم، بعد أن اتضحت أضرارها الكارثية على مياه البحر الأحمر، ما يهدد بوقوع أكبر كارثة بيئية في المياه الإقليمية، فالنفط الخام المخزن في السفينة يصل إلى مليون و140 ألف برميل.

وقد عبرت أطراف عربية ودولية، عن تلك المخاطر، خلال جلسة مجلس الأمن، المنعقدة في منتصف يوليو/ تموز الماضي، بناء على طلب رسمي من الحكومة اليمينة، لمناقشة القضية، بحيث يتحمل مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن تأمين سلامة وأمن المنطقة.

وباتت هذه الناقلة، بحسب الكثيرين، تهدد بإلحاق ضرر بالغ بجنوب البحر الأحمر والعالم بأسره، فهي تقع بالقرب من باب المندب، الذي يعد ممراً حيوياً للملاحة البحرية الدولية، بين آسيا وأوروبا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى