تقارير

عضُّ الأصابع السعودي الروسي.. من سيصرخ أولاً بوتين أم محمد بن سلمان؟

  • خبراء يتوقعون أن تستمر حرب النفط بضعة أشهر
“قناة الحرة”:

الاثنين الأسود، الإعصار المالي، حرب روسية سعودية، حرب النفط العظمى، لعبة الروليت الروسية، أوصاف أطلقها خبراء على ما يجري في سوق النفط العالمية والهبوط الحاد في أسعار النفط والتي تبعها انهيار في مؤشرات الأسهم حيث تلونت بورصات العالم باللون الأحمر.

المواجهة بين السعودية وروسيا في حرب النفط، ربما ستأخذ عدة شهور في معركة عض الأصابع بين الطرفين وفق خبراء، ولكن السؤال الذي يشغل العالم من سيصمد أكثر؟ ومن سينهزم؟ وهل سيتحمل الاقتصاد العالمي استمرار هذه الحرب.

أسعار النفط لامستْ، الاثنين، مستويات لم تشهدها منذ ثلاثة عقود وهبطت أكثر من ثلاثين في المئة، حيث وصلت الأسعار إلى ما دون 30 دولاراً للبرميل.

انخفاض الأسعار جاء نتيجة لإغراق سوق النفط من قبل السعودية، والتي قامت بهذه الخطوة رداً على روسيا التي رفضت الالتزام باتفاق خفض كميات النفط في الأسواق بهدف ضبط استقرار الأسعار.

وعادت أسعار النفط ومؤشرات الأسهم للتحسن الثلاثاء إلا أن الخبراء يتخوفون من حرب تستمر أشهراً حتى تتمكن أطراف الأزمة من التوصل إلى تفاهمات.

ولم تقلل الرسائل الروسية تجاه أوبك من توجهات السعودية بزيادة الإنتاج، إذ أعلنت موسكو الثلاثاء أنها لا تزال منفتحة على مزيد من التعاون مع منظمة الدول المصدرة للنفط لإعادة الاستقرار إلى السوق. لكن أعلنت السعودية زيادة إنتاجها، حيث قالت مجموعة أرامكو النفطية الثلاثاء إنه سيتم رفع الإنتاج إلى 12.3 مليون برميل يومياً في أبريل بدلاً من 9.8 مليون برميل.

روسيا التي دخلت في حرب الأسعار مع السعودية تستهدف المنتجين الأميركيين بالدرجة الأولى، وتقويض جهود الرياض في تلقي الدعم الأميركي، وتمكين بوتين من من مزيد من الهيمنة وفق تحليل نشره موقع “ناشونال إنترست”.

ويراهن الكرملين على أنه بحلول نهاية العام ستكون موسكو قادرة على التأثير على المنتجين الأميركيين وإعادة بلورة علاقاته وتحسينها مع السعودية، وفق الكاتب نيكولاس غفوسديف.

والخلاف بين موسكو وواشنطن في قطاع الطاقة قديم أصلاً، ولكن إعلان الولايات المتحدة وقادتها عن الخطط والاستراتيجيات بشكل مسبق تجعل الدول الأخرى تتحضر وتستعد لما هو قادم، وهذا ما كان جلياً عندما ظهرت إشارات مسبقة من واشنطن تتعلق بعقوبات على روسيا بسبب خطوط أنابيب النفط والغاز (Nordstream) التي تمر بأوكرانيا، وترتبط أيضاً بتركيا ودول أوروبية، الأمر الذي جعل روسيا تسرع العمل بها وتنهيها قبل إصدار عقوبات تتعلق بالشركات العاملة بتنفيذ المشروع.

حرب روسية سعودية تصدم الأسواق

وحتى عندما حاولت الولايات المتحدة تشجيع دول أوروبية على شراء الطاقة ومنتجاتها من شركات أميركية إلا أن موسكو سعت لإثبات نفسها كمصدر للطاقة.

وخلال إدارات أميركية وتحديداً في وقت وجود الرئيس السابق بارك أوباما في البيت الأبيض سعت واشنطن لتشجيع السعودية على رفع كميات الإنتاج وإغراق سوق النفط في خطوة لتخفيض إيرادات روسيا، وتجفيف المنابع التي تعتمد عليها في دعم توسعها داخل أوكرانيا وسوريا، لكن لم تستطع السعودية التحمل طويلاً، حيث نتج عن ذلك ما عرف فيما بعد بـ “أوبك +” ونسقت التفاهمات بتخفيض الإنتاج في 2017.

وخلال هذه التفاهمات التي جرت، حاولت واشنطن أن تبقى بعيدة عن المشهد بحيث استفادت الشركات المنتجة للنفط الأميركية من ارتفاع الأسعار وحاولت تلبية الطلب عندما كان يحصل ضعف في الإمدادات.

ومنذ أكثر من عام شعر منتجو الطاقة الروس أن موسكو عليها الانسحاب من اتفاقها مع “أوبك +” ولكن مع تراجع الطلب العالمي بسبب فيروس كورونا المستجد، وجد الروس فرصتهم للانسحاب وعدم الالتزام بخفض الإنتاج أكثر.

ويشير تحليل “ناشونال إنترست” إلى أنه لدى روسيا القدرة على التعامل مع تراجع الأسعار بشكل أكبر، خاصة وأن ميزانيتها مبنية على سعر أقل للنفط عما هو عليه في السعودية، ناهيك عن سعي كل منهما لرفع حصته خاصة لدى المشترين الأوروبيين.

ويبدو أن روسيا مستعدة أكثر للانخراط في حرب الأسعار والتي لن تشكل ضغطاً على السعودية فقط، وإنما على قطاع الطاقة الأميركي، خاصة مع ما يفرضه التوتر في منطقة مضيق هرمز بسبب إيران، ويجعلها تقدم نفسها كمصدر أمن للطاقة قادم الشمال.

طبيعة بوتين

وقال روبرت جونستون، خبير في قطاع الطاقة في مجموعة أوراسيا الاستشارية إن الأزمة بين روسيا والسعودية قد تستمر “لفترة” حيث ستنتهي بمن يشعر بالتأثر أولاً، متوقعاً أن تستغرق بين شهرين إلى ثلاثة شهور، ويمكن أن تمتد لأكثر من ذلك، وفق تقرير نشرته شبكة “سي أن بي سي”.

وأضاف أنه من الصعب دائماً الخوض في معركة مع روسيا ومع فلاديمير بوتين، وخاصة أن الأسلحة في هذه الحرب هي النفط وأسعاره إلا أنها تتعلق أيضاً بإثبات الهيمنة والقوة خاصة لدولة ترى نفسها في تحد مع أميركا أيضاً وليس مع السعودية فقط.

وإذا استمرت أسعار النفط في التراجع بهذا الشكل، فإن هذا الأمر يعني الضغط على الشركات الأميركية ومنتجي النفط خاصة الذين يعملون في مجال الصخر الزيتي، ناهيك عن الحد من الطموح الأميركي بأن تصبح المصدر الأكبر للطاقة في العالم.

ويرى خبراء أن هذه الحرب هي اختبار لقدرات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في التعامل مع ملف محفوف بالمخاطر، خاصة أنه يسعى بكل ثقله إلى الانتقال بالسعودية دولة تعتمد على اقتصاد ريعي إلى دولة منتجة تعتمد على مصادر أخرى في الدخل وتنوع اقتصادها.

ويسعى محمد بن سلمان إلى إظهار قدرته على قيادة مرحلة التغيير في السعودية حيث يعد نفسه ليكون ملكاً على السعودية بعد والده المتقدم في السن الملك سلمان بن عبد العزيز، إذ يواجه تحديات داخلية أيضاً دفعته إلى اتخاذ قرارات تتعلق باعتقال أمراء في العائلة المالكة لضمان استقرار البلاد في حال انتقال الحكم إليه وعدم خروج إمراء معارضون لدوره عن سلطته.

 

ويرى جونستون أن استفزاز روسيا للسعودية خطوة كبيرة منها خلال الوقت الحالي وهي محفوفة بالمخاطر، والفترة المقبلة ستثبت ما إذا كانت ستستطيع روسيا موسكو إدخال شركات الصخر الزيتي الأميركي في حالة سبات أو تعطيلها.

ماذا تريد السعودية؟

وقال بيل فارين- برايس الخبير في شؤون النفط في المنطقة لوكالة فرانس برس إن “إنتاج أكثر من 12 مليون برميل يومياً يظهر أن السعوديين يريدون إثبات شيء ما. هذه وسيلة لانتزاع حصص من السوق. النفط يتدفق والأسعار انخفضت بشكل حاد”.

ويرى ريتشارد غوري، وهو خبير اقتصادي في شركة “جي بي سي إنيرجي” أن هناك زيادة حقيقة في المعروض من النفط الخام بكميات تبلغ 3 ملايين برميل يومياً، وأي تعطل في الإمدادات الأميركية لن تؤثر على الأسعار بشكل كبير، وفق شبكة “سي أن بي سي”.

ويتخوف من استمرار الطرفين بتحدي بعضهما البعض بهذه الطريقة والتي يمكن أن تخفض الأسعار مرة أخرى وتسبب صدمة أخرى في الأسواق، ما لم تتفاهم جميع الأطراف على تقليل المعروض في الأسواق حتى لا تتوسع الصدامات في السوق العالمية.

ويتوقع سكوت دارلينغ، باحث في “جي بي مورغان” أنه إذا أنتجت السعودية 11 مليون برميل من النفط الخام يومياً بحلول نهاية عام 2020، فسوف يبلغ متوسط سعر خام برنت 39 دولاراً للبرميل.

وتقول السعودية إن طاقتها الإنتاجية القصوى تبلغ 12 مليون برميل يومياً، لكن من دون أن يعرف مدى استدامتها.

كما تحتفظ أيضاً باحتياطات استراتيجية من عشرات ملايين البراميل من النفط الخام لاستخدامها وقت الحاجة ومن المتوقع استخدامها لتوفير الإنتاج الإضافي.

كيف ستنتهي الحرب؟

ستنتهي المواجهة بين الرياض وموسكو بالإضافة إلى دول أخرى منتجة للنفط، لمصلحة الدولة التي ستكون أكثر قدرة على تحمل الضرر الناجم عن هذه الخطوة.

وتعد السعودية منتجاً منخفض الكلفة للغاية للنفط الذي يكلفها 2.8 دولار للبرميل، أي أقل بكثير من منافسيها العالميين.

ولكن روسيا تملك اقتصاداً أكثر تنوعاً ما يجعلها منافساً كبيراً.

وقال كريس ويفر من شركة ماكرو الاستشارية لوكالة فرانس برس “من غير المرجح أن تتراجع موسكو أولاً، بالتأكيد ليس قبل ثلاثة إلى ستة أشهر إضافية”.

وتابع: “روسيا في وضع مالي أفضل بكثير لتحمل حرب أسعار النفط. احتياطات روسيا المالية أكثر بـ 80 مليار دولار من الاحتياطات السعودية وتواصل النمو”.

لكنه أشار إلى إمكان أن تغير موسكو موقفها إذا انخفضت أسعار الخام إلى أقل من 25 دولارا للبرميل لفترة متواصلة.

عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 11 مارس 2020، العدد 1202.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى