تقارير

“المطهاف” في شبوة.. مهملة ومنسية من مشاريع التنمية

  • أكثر من 4 ألف نسمة يعيشون في جبالها بدون صحة ولا شبكة اتصال ولا كهرباء ولا طرق اسفلتية ولا تعليم

  • نزح الكثير من سكانها إلى المدن بسبب انعدام الخدمات فيها، وعدم اهتمام السلطات بها

  • مات الكثير من المرضى في الطريق قبل وصولهم إلى مستشفيات المدن المجاورة، بسبب وعورة الطريق

 

تقرير- صابر السليس:

رغم الإعلانات المتكررة عن مشاريع تنموية ظل إعلام يرددها في

محافظة شبوة، إلا أن هناك مناطق في هذه المحافظة لم تشملها التنمية التي يتحدث عنها ذلك الإعلام، ويشبه وضع قطاع الخدمات فيها وضع المجتمع البدائي، حيث إنها تفتقر لكل الخدمات. من هذه المناطق منطقة “المطهاف” التابعة لمديرية رضوم في محافظة شبوة، والتي يبلغ عدد سكانها أكثر من 4 آلاف نسمة، متفرقين في أكثر من 23 عزلة.

يربط طريق المطهاف الترابي الوعر بين مديرية حبان ومديرية رضوم، ويربط العاصمة عتق أيضاً بالخط الساحلي الدولي الذي يربط محافظة عدن بمحافظة حضرموت عن طريق الجبل. وتشتهر المطهاف بزراعة النخيل، وغيرها من المحاصيل الزراعية، وكانت فيما مضى من المناطق الأكثر إنتاجاً للتمور في محافظة شبوة. 

   تجاهل السلطات 

لم تلتفت السلطات المتعاقبة لمنطقة المطهاف لا قبل الوحدة ولا بعدها، ولم يهتم المسؤولون بها، وكأنها من كوكب آخر لا تنتمي لكوكب الأرض. وكل المحافظين المتعاقبين في شبوة لم تحصل منهم هذه المنطقة على شيء عدا الوعود الكاذبة، ولم يكلف أحدهم نفسه يوماً ولو بمجرد زيارتها. 

  أحلام بائسة

في كل مرة يتغير النظام في البلد، وفي كل مرة يتم تعيين محافظ جديد لمحافظة شبوة، يعلق أبناء هذه المنطقة آمالهم على إدارته، ويحلمون بالتفات هذا النظام أو المسؤول لمنطقتهم، إلا أن في كل مرة يذهب المحافظ تلو المحافظ ويذهب النظام تلو النظام، وتذهب معهم أحلام أبناء المطهاف أدراج الرياح. 

    انعدام شبكة الاتصال

إن ما لا يطيقه عقل إنسان في هذا الزمان انعزاله عن العالم، ومما لا شك فيه أن الانعزال لا يولد إلا الجهل وانعدام التنوير والتعليم والتثقيف، وشبكة الاتصال والإنترنت إذا انعدمت في مكان ما فلا شك أنه سيكون معزولاً عن العالم، لاسيما في ظل انفجار التطور التكنلوجي وبرامج التواصل الحديثة. ومنطقة المطهاف من المناطق الكثيرة في البلاد التي تفتقد لشبكة الاتصالات في زمن أصبح فيه توفر شبكة الاتصال من الأمور الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها أو الاستمرار في العيش بدونها.

   تدهور في التعليم

 إن التعليم من الأمور التي ترتكز عليها الأوطان، وبه تُبنى وتنهض الشعوب، وإذا ما تدهور التعليم في وطنٌ ما تدهورت أخلاق أبنائه أولاً، ومن ثم تتدهور إرادته ويتدهور بعدها كل شيء.

ومنطقة المطهاف نموذج في تدهور التعليم؛ حيث لا يوجد فيها إلا 3 مدارس كلها أساسية أفضلها إلى الصف التاسع فقط، وأقرب عزلة لتلك المدرسة على مسافة اثنين كيلو وأبعدها تتجاوز السبعة الكيلومترات. في ظل انعدام المواصلات، يضطر، الطلاب القلة المصرين على مواصلة التعليم، للسير على أقدامهم قاطعين كل تلك المسافات.

ومما لا شك فيه أن بُعد المدارس يقتل رغبة الطلاب في مواصلة تعليمهم ليجدوا أنفسهم مجبرين على ترك التعليم في الصفوف الابتدائية. وفي حال يواصل الطلاب تعليمهم إلى الصف التاسع في منطقة المطهاف ضاربين بتعبهم ومعاناتهم عرض الحائط لدحر الجهل، إلا أنهم يجدون أن ترك الدراسة لا مناص منه بعد ذلك، لعدم قدرتهم على الانتقال إلى مديرية أخرى لمواصلة تعليمهم.

وقد طال الدمار الحسي والمعنوي المدارس في منطقة المطهاف، فلا كادر تدريسي متكامل، ولا أدوات دراسية صالحة للتدريس، ولا أوضاع تشجع الطلاب على الالتحاق بالدراسة، إضافة إلى الجو العام في المدارس فتجد الفصول بدون أبواب ولا نوافذ وسقفها مهتري قابل للسقوط على رؤوس الطلاب في أي لحظة، وكراسيها مكسرة تجبر الطلاب على افتراش الأرض أحياناً.

الجانب الصحي

في دول العالم تسعى الدولة لبناء المستشفيات الخاصة برعاية الحيوان والاهتمام بصحته، فما بالك بالبشر؟ وفي بلادنا لا اهتمام برعاية البشر بصحتهم. ومنطقة المطهاف من المناطق الكثيرة التي لا توجد فيها مستشفيات أو حتى وحدة صحية حكومية تكفي المواطنين عناء السفر بمرضاهم إلى المدن التي تبعد عن منطقتهم مئات الكيلوهات، وقد يفقد المريض حياته بسبب تأخير إسعافه لوعورة الطريق وخطورتها. والوحدات الصحية الموجودة بُنيت في الماضي، إلا أنها لم تشهد النور ولم يتم فتحها ولو ليوماً واحد، ولا يعلم مواطنو المنطقة هل ما تزال الدولة تصرف مستحقات وأدوية تلك الوحدات الصحية المغلقة أم لا، وأن كانت تُصرف فهم لا يعلمون أيضاً أين تذهب تلك المستحقات!

  وعورة الطريق

“لا يخلق الله أرضاً صعبةً إلا ويخلق أهلها أصعب منها” هذه الحكمة يتداولها أبناء المنطقة، للتعبير عن قوة عزيمتهم وتحملهم صعوبة طرقهم الوعرة وخطورتها، ولعلهم يخففون بذلك عن أنفسهم القليل من المعاناة التي يعانونها في منطقتهم البدائية التي تفتقر لأبسط الخدمات؛ فمنطقة المطهاف الجبلية التي تتوسط مديريتي حبان ورضوم، لا يوجد بها طرق معبدة واسفلتيه تربطهم بمديريتهم على أقل تقدير، سوى طريق ترابي وعر وخطير شقه الأهالي وبعض الشخصيات الاجتماعية قبل أكثر من خمسين عاماً، وتعتبر تلك الطريق طريق استراتيجي ومختصر جداً للمتنقل من عتق عاصمة المحافظة إلى محافظتي عدن وحضرموت لكونه يربط مديرية حبان مباشرة بالخط الدولي الساحلي الذي يربط بين محافظتي حضرموت وعدن، وكان الأحرى بالسلطات أن تستغل هذا الطريق لمصلحة المحافظة ناهيك عن أهميتها بالنسبة لأبناء المطهاف وعن حاجتهم لها لتكفيهم مشقة عناء التنقل، ولتربطهم بالعالم وتخرجهم من عزلتهم التي فيها يقبعون.

  ظلام دامس

لم تأخذ السلطات المتعاقبة في محافظة شبوة ولا الأنظمة السابقة والحالية منطقة المطهاف بعين الاعتبار، ومنذ أن حطَّ أهالي المنطقة رحالهم فيها ووضعوا أحجار أساس مساكنهم الأولى وهم يعيشون حياة الناس في العصور البدائية، يضيئون ظلام ليلهم بالمشاعل والفوانيس إلى اليوم، لا يعرفون الكهرباء ولا حتى أسلاكها وأعمدتها الخشبية، إلا أن الأمل لاح في الأفق بدخول الكهرباء إلى المطهاف عندما حطت شركة بالحاف رحالها في مديرية رضوم، واستبشرت مديرية رضوم قاطبة ليس منطقة المطهاف فقط بتطويرها وتوفير كل الخدمات وليس الكهرباء فقط، إلا أن الأمل أختفى والحلم مات منذ الوهلة الأولى عندما تسلق على مصلحة المديرية أشخاص وحولوها إلى مصالحهم الشخصية.

مرة أخرى يلوح الأمل مع ضجيج الإعلام بتنمية المحافظ بن عديو عند أبناء المطهاف، ولكن مع الأسف لم تشمل تنميته ومشاريعه منطقتهم إلى الان.

  نزوح السكان

بسبب تردي المعيشة في منطقة المطهاف، نزح من المطهاف ما يقارب ثلثي سكانها إلى المدن، لكي يعوضوا ما لم يجدوه فيها، فمنهم من نزح لكي يحصل أبناءه على حقهم في التعليم، ومنهم من نزح بعد أن فقد أو كاد أن يفقد أحد أفراد أسرته بسبب تدهور الصحة ووعورة الطريق وبعد المنطقة عن المدن، والباقين فيها كالقابض على الجمر، منهم من لم تسعفه ظروفه على الانتقال منها والعيش في المدن، ومنهم من منعته ظروف أخرى خاصة لا يستطيع معها ترك منطقته.

لا صحة ولا تعليم ولا طرق وخطوط، ولا شبكة اتصالات ولا مشاريع ولا اهتمام من السلطة، في منطقة تُسمى المطهاف في مديرية يقال لها رضوم وبمحافظة اسمها شبوة، فهل يُعقل هذا؟

في الوقت الذي يضجنا الإعلام بالتنمية وإنشاء المشاريع في شبوة، أصبح أبناء المطهاف يحلمون بوصول تلك التنمية إلى منطقتهم، فهل سيكون المحافظ بن عديو المسؤول الأول الذي سيضع أقدامه على تراب تلك المنطقة ويوفر لأبنائها ما حُرموا منه خلال السنوات المنصرمة؟ أم أن تراب المطهاف أصبح كتراب القمر صعب النزول عليه؟

ورسالة أبناء المطهاف المختصرة التي وجهوها عبر صحيفة “الشارع” هي: أنقذوا منطقة المطهاف قبل أن يغادر سكانها وتصبح خالية إلا من أعجاز نخل خاوية.

عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 12 مارس 2020، العدد 1203.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى