ملفات

جانب من مسيرة التآمر على ثورة سبتمبر

في 12 أغسطس1965، انعقد “مؤتمر الطائف”، “بين مشائخ وزعماء من الصف الملكي والمشايخ الجمهوريين المعارضين للمصريين والسلال ومنهم النقيب سنان أبو لحوم”، وكانت أبرز قراراته تتمثَّل في “إنهاء دولة السلال، وقيام دولة في اليمن تشمل الجميع ماعدا بيت حميد الدين والسلال”. إلَّا أن ذلك لم يكن ممكناً، حينها.

بعد نكسة حزيران 1967، انسحبت القوات المصرية من اليمن، فحدث انقلاب 5 نوفمبر من العام ذاته، والذي تم فيه إزاحة القوى الوطنية الجديدة، التي كانت صاحبة المصلحة الحقيقية في ثورة سبتمبر. “بعد خروج المصريين، وطَرْد السبتمبريين، طمع الأئِمَّة في الحكم من جديد، خاصة وأن جزءاً من مشائخهم قد أصبح طرفاً في الحكم، فبدأ حصار صنعاء وقصف المدينة وتدميرها”.

في انقلاب 5 نوفمبر، “تم تصفية الفئات الجمهورية الجديدة من السلطة نهائياً، وحل محلها المشائخ وحلفاؤهم”. وفي 27 نوفمبر نفسه، بدأ حصار العاصمة، “فلم يستطع جيل سبتمبر أن يتحمل ردتين في شهر واحد، فحمل السلاح ودافع عن صنعاء”. وأكد “الجاوي”، الذي كان أحد القادة البارزين لـ”المقاومة الشعبية”، أن معركة الدفاع عن صنعاء “خاضها الجنود والأمن والمقاومة، بقيادة الضباط الصغار، بعد أن هاجر بقية المقدمين [الوزراء والمشائخ وكبار الضباط] من صنعاء”.

خلال الحصار، ظهرت أكثر من مبادرة لإيقاف الحرب في اليمن، أبرزها المبادرة التي حملتها “اللجنة الثلاثية”، التي انبثقت عن “قمة الخرطوم” العربية، عام 1967. كان “المشائخ” وكبار الضباط يريدون السماح باستقبال “اللجنة الثلاثية” في صنعاء. وكانوا يؤيدون “التصالح” مع “الملكيِّين”، واستيعابهم في “دولة إسلامية” في اليمن، مع استبعاد “أُسرة حميد الدين” فقط. ومقترح “الدولة الإسلامية” كان بديلاً عن “الجمهورية”، ما يعني التنازل فعلياً عن ثورة سبتمبر. رفض صغار الضباط، وقادة “المقاومة الشعبية”، ذلك، ورفضوا السماح بقدوم “اللجنة الثلاثية” إلى صنعاء.

 في يوم الثامن والعشرين من ديسمبر عام 1967.. اجتمع قادة الجيش (قبل أن يغادر بقية كبار الضباط صنعاء) مع البقية الباقية من الوزراء وممثلي المقاومة الشعبية، لبحث قضية واحدة فقط، وهي عودة اللجنة الثلاثية إلى صنعاء.. وكان الاجتماع برئاسة “الفريق” حسن العمري”. وأوضح “الجاوي” أن “أحد المشائخ الكبار جداً”، “صَرَخَ”، في ذلك الاجتماع: “إِمَّا قبول اللجنة الثلاثية، وإلا سنعود إلى مناطقنا وابقوا أنتم لوحدكم”. يضيف “الجاوي”: “حينها، تحرك ضابط من الصاعقة وقالها صريحة: “سنقاتل حتى النهاية ونرفض الاستسلام للجنة والدولة الإسلامية”. يستطرد: “انتظر بعض السادة الكبار اليوم الثاني، أما بعضهم فقد صمم على البدء برحلة الشتاء إلى القاهرة وبيروت و”خَمِرْ” [المركز القبلي للشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، وتقع في قبيلة حَاشِد، محافظة عمران]. أمَّا البعض، وخاصة من الضباط، فقد انتظر يوماً آخر حتى تتم الوساطة من قبل نائب رئيس الوزراء.. لعل وعسى أن تَقْبَلْ المقاومة وصول اللجنة..”. هكذا، غادر بقية كبار المشائخ والوزراء والضباط، وتركوا مهمة الدفاع عن صنعاء لـ”الفئات الوطنية الجديدة”. وكان ذلك من أجل “ضرب القوى الجديدة الصامدة بعد سفر الوزراء والضباط الكبار بقصد إنهاء ما يعرقل قضية التفاهم حول اتفاقية الخرطوم وتشكيل حكومة “الأطراف المعنية”، وتصفية الجيش تصفية نهائية”. بعدها، شَنَّت، في إحدى الليالي، قوات “المَلَكِيِّين” قصفاً وهجوماً كبيراً على العاصمة. لقد “اضطرت “الأطراف المعنية” إلى التعاون من داخل وخارج صنعاء في الليلة المشؤومة”.

“الجاوي”، اتَّهم الفريق حسن العمري، رئيس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة، حينها، بالتواطؤ مع المسلحين والمرتزقة الذين شَنُّوا ذلك الهجوم، ومحاولة تسهيل مهمتهم المتمثلة في اقتحام العاصمة والسيطرة عليها: “في تلك الليلة بالذات، اتضحت علاقة الفريق حسن العمري بقاسم منصر [أحد كبار قادة “المَلَكِيِّين”]، رغم كل الهالة التي حاولت الإذاعة أن تحيط بها الفريق.. ولقد كانت عملية نقل البترول من مصنع الغزل والنسيج بأمر منه، وكان إنزال القبائل إلى الشارع الرئيسي، أيضاً، بأمر منه، وأكثر من ذلك رفض طرد القبائل من هذه الشوارع، وليس من الصعب مطلقاً أن يعرف المواطن العادي مدى علاقة التشاور الوطيدة بين الحديدة وصنعاء في تلك الآونة حول أهم القضايا”.

كانت الوساطات، بما فيها “اللجنة الثلاثية” و”اجتماع بيروت”، تحمل مبادرات تقوم في جوهرها على ما عُرِفَ بـ”الطريقة اليمنية”: إقامة “دولة إسلامية” في اليمن، كبديل لثورة سبتمبر والنظام الجمهوري، “النظام الإِمَامِيِّ”، وتشكيل ما عُرِفَ بـ”حكومة الأطراف المعنية”، تُشارك فيها كل الأطراف باستثناء “عائلة حميد الدين”. وتم رفض ذلك من قِبَلْ “الجمهوريين الذين كانوا يمسكون زمام السلطة” في صنعاء؛ لـ”سبب واحد فقط، وهو أن الوطنيين اليمنيين الذين اتفق على تسميتهم بالجمهوريين رفضوا التنازل عن مكاسب شعبهم التي ضحى من أجلها بعشرات الآلاف من الضحايا”.

يضيف “الجاوي”: “لذا نجحت “الطريقة اليمنية” عند إنهاء الجانب الجمهوري كطرف، سواء كان في السلطة، أو “المنظمات الرسمية والجماهيرية”. وقد بدأ الملكيون، وأصحاب الوسط، في تنفيذ الحل اليمني بعد فشل اجتماع بيروت، في منتصف أيام الحصار.. ويكمن هذا الحل في تصفية الجمهوريين، والذين لا يمكن التفاهم معهم بالطريقة اليمنية.. ولعله من الواضح أن المشكلة الرئيسية تحدد في بقاء وعدم بقاء أول نظام جمهوري في الجزيرة العربية”.

تبعات تصفية وإقصاءالسبتمبريينوإفراغ ثورة سبتمبر من مضامينها

تمكَّن “المشائخ وحلفاؤهم”، منذُ انقلاب 5 نوفمبر، من تصفية وإقصاء القيادات الثورية المُمَثِّلة للشعب، أو ما أُطلِق عليها “الفئات الجديدة”؛ من ضباط وجنود وموظفين وتجار وطلاب وعمال ومزارعين. واُستكمِلت عملية الإقصاء في أحداث أغسطس، التي جرت بعد عام من ذلك، حيث تم ضرب ما تبقى من القوى الوطنية التي منحت ثورة 26 سبتمبر معناها الوطني، وتولَّت مهمة الدفاع عن صنعاء خلال “حصار السبعين”. من يومها، سيطر “المشائخ وحلفاؤهم” العسكريون على ثورة سبتمبر، وباسمها ظَلّت تحكم اليمن، حتى 2011. وقد أشار كثيرون إلى أن ذلك جعل ثورة سبتمبر تظهر كما لو أنها قامت باستبعاد “الزَّيْدِيِّة الدينية”، ممثَّلة بـ”الإِمَام” (“السَّيِّد”)، لصالح “الزَّيْدِيِّة القَبَلِيِّة”، ممثلة بـ”الشِّيخ”، وضباط الجيش. مذّاك، تمكَّنت الأطراف التقليدية من تصفية وإقصاء الشخصيات الوطنية، التي كانت تُمَثِّل الفئاتَ الوطنية صاحبة المصلحة الحقيقية في ثورة سبتمبر. لقد تم تصفية عبد الرقيب عبد الوهاب، كممثل للقوة العسكرية الوطنية الصاعدة، والشيخ أحمد عبد ربه العواضي، كتعبير عن التوجه الوطني الصاعد داخل التكوين القّبَلِيِّ. وجرى تهميش وإقصاء الشخصيات الوطنية الأخرى.

في كتابه عن “حصار السبعين”، يؤكد عمر الجاوري أن عمليات الإقصاء والاستحواذ المبكر على ثورة سبتمبر دفعت نحو صعود الطائفية، رغم أن الملكيين كانوا مايزالون يحاصرون صنعاء. وبعد أحداث أغسطس 1968، استعرت حالة الطائفية والمناطقية جراء إقصاء “القوى الجديدة”، التي دافعت عن الثورة وكانت صاحبة المصلحة الحقيقية فيها. وبعد ذلك؛ جرى في صنعاء، إعادة إنتاج قيم القوى المنتصرة، فظهرت مفردات تحقيرية لليمن المقصِّية على شاكلة “لُغْلِغِي”، “بُرْغُلِي”. ومذّاك، تفاقمت الطائفية في البلاد، وفرضت سيطرتها وقيمها على الفضاء العام. تم إعادة اليمن المهمَّش والمقصي إلى سيرته الأولى، فمُنِعَ أبنائه من دخول الجيش، كما كان في عهد “الإِمَامَة”. حاول إبراهيم الحمدي استعادة روح ثورة سبتمبر المخطوفة، غير أنه تعرض للقتل، في 11 أكتوبر 1977م، من قبل القوى التقليدية ذاتها؛ “المشائخ وحلفائهم” الضباط.

كان “المشائخ وحلفاؤهم” يرون أن الثورة ليست أكثر، أو أبعد، من إزاحة “الإِمَام” محمد البدر، أو “أُسرة حميد الدين” بشكل عام، والحلول مكانه/ مكانها، فيما كانت “الفئات الجديدة” الجمهورية ترى أن ثورة سبتمبر أبعد من مجرَّد إزاحة “إِمَام”، واستبداله بـ”شيخ” أو ضابط، وأبعد من مجرَّد إزاحة “أُسرة” بعينها واستبدالها بـ”أُسر” أخرى. كانت “الفئات الجديدة” ترى أن الثورة ذات مضامين اجتماعية تسعى لإحداث تغييرٍ جذريِّ شاملٍ يفضي إلى إقامة دولة وطنية حديثة. وكما قال علوي السقاف، فالقوى التقليدية داخل الصف الجمهوري أرادت إزاحة “أُسرة حميد الدين”، كي تَحِلَّ هي بدلاً عنها في الحكم، وذلك ما تم بالفعل؛ فأُفرِغت الثورة من مضامينها، حتى قِيل إنها أزاحت “الإِمَام” ووضعت مكانه “الشيخ”! من يومها، رَزَحَت اليمن تحت حكم عِصَابة ذات تركيب مناطقي وطائفي، وتوجُّهات تقليدية. وبسبب إفراغ ثورة سبتمبر من مضامينها، قامت ثورة 11 فبراير 2011، لكن المشكلة إن القوى التقليدية ذاتها استولت- مرة أخرى- على ثورة اليمنيين، وأفرغتها من مضامينها؛ عبر إقصاء الفئات ذات المصلحة الحقيقية فيها، واستخدام الثورة لتصفية الحسابات داخل العُصبة التي استفردت بحكم البلاد طوال العقود الماضية. وكانت النتيجة بعث الروح في “الإِمَامَة” المَيِّتَة، فعادت لحكم اليمن عبر امتدادها التاريخي والسلالي: جماعة الحوثي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى