عدن- “الشارع”- تقرير ريم الفضلي:
عرف العالم بأسره أن الموجة الجديدة من فيروس كورونا (كوفيد-19)، تكتسب خطورة أكبر، بالنظر إلى وتيرة التفشي المتزايدة. إضافة إلى حالة من الانعدام شبه الكلي لأي احترازات في أوساط عموم المجتمع اليمني. حيث قابلها بالسخرية وإطلاق النكات عليها في مجالسه.
لم يقف الحال عند السخرية من الوباء و التصديق به من عدمه. ليقبل الكثيرين على تزوير الفحوصات ودفع ألاف الريالات مقابل الحصول عليها. دون الخضوع لأي فحص يذكر. ولم يقتصر الأمر على المواطنين فحسب، كون دائرة الفساد عمت الجميع وكان للجهات المعنية النصيب الأكبر منها.
الصحة العالمية تزود اليمن بالفحوصات
في شهر يونيو من العام ٢٠٢٠، دعمت منظمة اليونيسف في بداية انتشار الجائحة في اليمن، بما يقارب الـ ١٨,٠٠٠ فحص لكوفيد-19. و كان لعدن نصيب الـ ٨,٠٠٠ من هذا الدعم. كما أكدت في تقرير لها نشرته في 18 يونيو، من العام ذاته، أنها ستستمر برفد اليمن بكافة المساعدات اللازمة.
توزعت هذه الفحوصات بين مراكز الفحص التابعة للحكومة. ورغم أحقية المواطن في الحصول عليه مجانا خصوصا وأن القطاع الصحي في عدن قد دُعم بالفحوصات. فرضت هذه المراكز ولا زالت على المواطنين الخاضعين للفحوصات، دفع مبالغ مالية ما بين ١٠ و ١٢ ألف ريال يمني.
وفي بداية انتشار الموجة الأخيرة من كوفيد-19، وبعد سماع العديد من أهالي عدن بدعم مراكزها الحكومية بالفحوصات المجانية. عزم عبده تينه وهو أحد سكان منطقة المعلا دكه- بعد أن شعر بظهور بعض أعراض كوفيد-19- على الذهاب لعمل الفحص، للتأكد من سلامة إصابته بالفيروس. خصوصا وأن والدته الكبيرة في السن التي تشكي من مشاكل في القلب، تعيش معه في بيت واحد مكون من غرفة و حمام.
حين وصل الى المركز، سأل “تينه” عن الاجراءات اللازمة لإتمام عمل الفحص، بعد أن أخبر موظف الاستقبال شعوره بأعراض الفيروس. ما أن شرح له عامل الاستقبال كل التفاصيل، تفاجأ “تينه” أنه يتوجب عليه دفع مبلغ ١٢ الف ريال يمني مقابل إجراء الفحص.
أحقية الحصول على لقاحات مجانية
يقول “تينه” خلال حديثه لـ “الشارع”، إنه “عاد من المركز يجر خلفه أذيال الخيبة، ويملأه الخوف على والدته، من أن ينقل لها العدوى. ووصل به الحال في عديد من الأيام إلى التغيب الكامل عن البيت، محاولا بقدر الإمكان عدم مخالطته لأمه المعلولة”.
بعد أسبوع تفاجأ باتصال أحد جيرانه ليخبره بأن والدته تعاني من وعكة صحية، انقبض قلب عبده، وعلى الفور عاد مسرعا إلى البيت ليرى ما ألم بأمه.
ويوضح، أنه لم تمر أيام قليلة، حتى دفن والدته بيديه والغصة تكاد تخنقه. “لم يكن بيدي سوى النظر الى أمي وهي تموت أمامي دون القدرة على فعل شيء!”، يقول “تينه”.
فحوصات وهمية
لم يتوقف الأمر عند الفساد المتمثل بوضع تسعيرة لفحوصات PCR, وانعدام الرقابة الصحية والإدارية على المراكز. بل إن الأمر تعدى الحد إلى استخراج فحوصات وهمية من مراكز الفحص الحكومية في العاصمة المؤقتة عدن.
وأفاد لـ “الشارع”، عامل سابق في أحد مراكز العزل في عدن، فضل عدم ذكر اسمه. أن المركز الذي كان يعمل فيه قد شرع في كثير من المرات إلى تزوير العديد من الفحوصات.
وقال أ. ب، إن “المركز الذي كنت أعمل فيه مع عدد من المراكز الخاصة والحكومية كانت تزور فحوصات كورونا وهذا الامر لا يجهله الكثير”.
وأضاف، أن “الناس أنفسهم أحيانا لا يرغبون بالقيام بالفحوصات ومع الاستجابة التامة من المراكز وعدم الرفض القاطع لهذا الفعل. كانت ولا زالت تجري عمليات استخراج للعديد من الفحوصات الوهمية”.
وبرر ذلك، بأن “الناس يطالبون المراكز عمل فحوصات مزيفة لعدد من الأسباب منها خوف الكثير منهم من عمل الفحص، أو عدم إيمانهم بوجود المرض. إلى جانب أن الكثير منهم لم يتمكنوا من الحضور إلى مراكز الفحص لضيق الوقت لديهم!”.
فحوصات كورونا للمسافرين
في اليمن، أصبح عمل فحص كورونا، عادة مقتصرة على المسافرين الى خارج البلاد، في أغلب الأوقات. كما بات عمل مراكز الفحص يرتكز على إخراج فحوصات كورونا للمغادرين من اليمن. وكثير من المسافرين يعزفون عن عمل الفحوصات المخصصة للكشف عن كوفيد-19، ويفضلون إخراج فحوصات وهمية، عوضا عن الذهاب وإجراء الفحص.
“م. أ” واحد من كثير من اليمنيين المقيمين في عدن، التي اقدمت على تزوير فحصها هي وأمها المريضة. وعند حديث “الشارع” معها، قالت: إن “السبب وراء اضطرارها للقيام بهذا هو انشغالها عن الذهاب لإجراء الفحص الحي”.
وتحكي تجربتها، “حين علمت أن باستطاعتي إخراج ورقة تثبت عدم اصابتي بالفيروس دون الذهاب إلى المركز كي أتمكن من الدخول إلى الأردن، لم أتردد للحظة. خصوصا لأني لم أملك الوقت الكافي للذهاب، حيث كنت أعمل على تجهيز أمور السفر الخاصة بي وبأمي المريضة. التي اخبرنا الاطباء بسرعة نقلها إلى الخارج لتلقي العلاج بسبب تدهور حالتها الصحية حينها”.
وفي مارس المنصرم، ألقت السلطات المصرية القبض على عدد من اليمنيين الوافدين إلى أراضيها بسبب الفحوصات المزورة، بعد العثور عليها بحوزتهم. وعلى اثرها أقرت السلطات المصرية فرض إجراء الفحص على أراضيها لليمنيين الوافدين إليها.
ولم يقتصر أمر التزوير اليمنيين فقط. حيث حصل عدد كبير من الوافدين إلى اليمن على فحوصات مزورة. وهي ظاهرة شهدت انتشارا واسعا في العديد من الدول العربية والأجنبية، منها مصر و العراق و الأردن وألمانيا.
قرار جديد بشأن الفحوصات
بعد مرور أكثر من عام على انتشار كوفيد-19 في اليمن، ورغم الإهمال الذي قابلت به الجهات المعنية الوضع، إلا أن وزارة الصحة اليمنية أصدرت قبل اسابيع، قرارا باشتراط احتواء الفحوصات على QR code (الباركود) غير القابل للتزوير للقادمين إلى اليمن.
ورغم اهمية هذا القرار، إلا أنه لم يغير إلا القليل، فهو لا يمنع إلا الأوراق القادمة من خارج مختبرات المراكز المخصصة للفحوصات.
ومع وصول حالات الإصابة إلى ما يقارب الـ ٧٠٠٠ حالة منها ١١٥٨ في عدن، إلا ان الجهات المعنية بالرقابة في المحافظة لا زالت تتجاهل التسيب الحاصل في مراكزها الصحية والفساد الهائل فيها.
وتظل مخاطر الاستهتار بالفحص، رسميا وشعبيا، أمرا يجب أن يضع له حدا قاطعا لتحجيم الظاهرة والحد من انتشارها، حيث يبدو أنها لن تختفي بسهولة.
ينُشر هذا التقرير بدعم من JHR/JDH- صحفيون من أجل حقوق الإنسان والشؤون العالمية في كندا