تقارير

انقطاع المياه.. كابوس أشد رعبا من “كورونا” في عدن

عدن- “الشارع”- تقرير عبد اللطيف سالمين:

ترسل الشمس أشعتها الحارة على مدينة عدن، في صباح أيام حزيران اللاهب، يتوافد في الشارع المارة، يرتدي بعضهم الكمامات للوقاية من جائحة فيروس كورونا “كوفيد 19”. كلٌ ذاهبٌ إلى ما يصبو إليه من أعمال ومشاوير هامة. يجرون خلفهم أجسادهم بسرعة ورتابة، تفاديا لوهج الحر الذي يجعل من السير في الطرقات مشقة كبيرة.

مشهد تنتهك الطفولة فيه!

لوهلة قد يبدو هذا الصباح مشهدا طبيعيا، في أي مدينة في العالم لا تسري فيها إجراءات حظر التجول للحد من الفيروس. لكن في زاوية أخرى من هذه المدينة ما يضفي على هذا الصباح شيء من السريالية، قد لا نراها سوى في مشاهد السينما التراجيدية. أجساد تكسوها السمرة، شديدة الهزل، لمجموعة من الأطفال معظمهم لم يتجاوز السابعة. بالكاد تستطيع رؤية ملامحهم التي تختبئ خلف عبوات مختلفة الأحجام. بعضها كانت فيما سبق تختص بزيت الطبخ، تم إعادة تدويرها لتحمل بضع لترات من الماء. يمشون ببطء شديد بضع مترات ويتوقف أحدهم لالتقاط أنفاسه وإراحة يديه بضع ثوان، ويعيد حمل عبوة الماء رفقة من معه. أنظار معلقة صوب الجبل، تحمل معها معاناة طفولة منتهكة في مدينة لم يعد أهاليها يكترثون لإنسانيتهم. ويتبادل سكانها الانتهاكات بطرق مختلفة وشوهت فيها ملامح الطفولة البريئة، التي عوضا من أن تقضى في اللعب أو المدرسة وأحلام الطفولة، باتت تحمل معها أحلام صعبة المنال في الحصول على بضع لترات من الماء!

في الطرق الوعرة للصعود نحو جبل شمسان، هناك تجد سعيد الحظ من يمتلك حمارا يحمل عبوات الماء عوضا عنه، وأحيانا يتشارك مجموعة من الصبية أجرة الحمار الذي يجر خلفه ما يشبه العربة الصغيرة مفتوحة الجوانب. يبقى الصبية خلفه يتأهبون صعود الجبال نحو شعب العيدروس في مدينة كريتر، كلاً نحو مسكنه ليعود على أهله ببضع لترات من الماء لكفاية يومهم. هكذا تتشابه صباحات الأطفال والأهالي كل يوم، لتعبئة الماء من المساجد أو من وصهاريج مياه السبيل المتنقلة، أو من محلات بيع الماء لمن كان تعيس الحظ، ولم يصح مبكراً لتدارك دوره.

كابوس أكثر رعبا من كورونا

 يشكل انقطاع المياه، لغالبية سكان مديريات عدن كابوسا مرعباً، يقض مضاجع الجميع. فبينما يقوم بعض الأهالي في الصباح الباكر لشد رحالهم في رحلة البحث عن المياه. يسير الأمر في بعض المناطق باتجاه معكوس يجعلهم في وضع تأهب ويمنع بعضهم من التمتع بنوم هانئ خوفاً من فوات ميعاد ضخ المياه، الذي يبدأ موعده في منتصف الليل.

وليحصل المواطن على نصيبه من المياه عليه أن يكون يقظاً ويشغل مضخة المياه المنزلية فور وصول الماء ويقوم بتعبئته في الخزانات المخصصة لحفظه، واستخدامه في بقية اليوم. قد يتكرر الأمر كثيرا أن  ينقضي الليل وتطلع الشمس وتذهب والماء لم يأتِ بعد. ويتكرر المشهد كل ليلة حتى يتسلل اليأس إلى نفوس المواطنين، وتعم حالة كبيرة من الإحباط النفسي المتأصل في حياتهم من عدم وجود إصلاحات حقيقية للتخلص من هذا الكد والعناء والتذمر، في توفير حاجة الناس للمياه وضمان وصول الخدمة لمنازلهم دون انقطاع.

كل ذلك يحدث في وقت ينهش فيه فيروس كورونا أجساد المواطنين، الفقراء منهم بصورة أكبر، كونهم أقل التزاما بإجراءات الوقاية. وهو ما أكده الحاج سالم، 55 عاما، من سكان منطقة القاهرة في مديرية الشيخ عثمان، خلال حديثه لـ “الشارع”.

الغريق لا يخاف البلل!

يسخر الحاج سالم من سؤال عن مقدار التزام الأهالي في المنطقة بإجراءات الوقاية من فايروس كورونا. حيث يعتقد الحاج سالم أن سؤال من لا يمتلك أدنى مقومات الحياة عن هذا الأمر أمر غير منطقي.

ويقول لـ “الشارع”، بلهجة ساخرة، “الغريق لا يخاف البلل، نحن لا أمل كبشر على الاطلاق، وهذا الفيروس أقل مخاوفنا، ما زلنا نعاني من أمراض انقرضت منذ عقود هي أكثر فتكا بنا من هذا الفايروس الذي يبدو لنا كذبة مقارنة بما تعمله بنا الملاريا، والكوليرا، ومختلف الحميات”.

ترتسم على ملامحه بعض الجدية المكسوة بنوع من الحزن ويعود ليضيف: “إجراءات الوقاية بالنسبة لنا ترف لا نملكه، بالكاد تستطيع توفير مال نقضي به حاجاتنا الضرورية في المطبخ والخلاء، وقد نقضي أياما لا نغتسل حين تشتد الازمة”.

ويتابع: “بات الماء حكراً على الأسر الميسورة فقط، لاسيما مع ارتفاع أسعار مياه الوايتات (الصهاريج). وغالبية الأسر تمرّ بظروف اقتصادية صعبة للغاية، جراء تداعيات الأزمة التي تمر بها اليمن. لذلك فهم مضطرون إلى قطع مسافات طويلة على الأقدام يومياً، من أجل تأمين المياه الصالحة للشرب”.

ويردف: “اذهب للأغنياء واسألهم من يمتلكون قيمة بوزه الماء التي تبلغ قيمتها لآلاف، حين لا يصل الماء لهم، أما نحن لا خوف علينا أعطتنا الحياة المناعة اللازمة لمقاومة ما هو أشد من كورونا”.

تختلط الأزمات ببعضها

وتتمثل معاناة الحاج سالم وغيره من المواطنين في المدينة، في عدم توافق ساعات وصول التيار الكهربائي التي لا تتجاوز ساعتين كل أربع ساعات يومياً، مع جدول وصول المياه إلى المنازل عبر الآبار المختلفة التابعة للمديريات، من أجل ملء الخزانات الخاصة بهم للاستخدام اليومي.

حيث تغذي مدينة عدن بالمياه ثلاثة حقول رئيسة:” بئر ناصر، وبئر علي، وحقل المناصرة. وتبلغ نسبة ما تغذيه الآبار من المياه حوالي من 100 ألف إلى 120 ألف متر مكعب يومياً.

انخفاض منسوب المياه ينذر بكارثة إنسانية

في العقد الأخير، باتت مدينة عدن تعاني من انخفاض منسوب حاد للمياه، وعدم وصوله إلى غالبية مديريات عدن بالذات المناطق الشعبية منذ سنين طويلة. حيث تتفاقم أزمة المياه فيها منذ سنوات بشكل متواصل، في ظل عدم توافر حلول عملية وجذرية لها. ما يزيد من قسوة الظروف الإنسانية التي يعيشها المواطنون في عدن، الذين جفت حناجرهم لكثرة التظاهر والمناشدات للنظر إلى معاناتهم التي تلاحقهم لسنوات طويلة، في ظل عجز مؤسسة المياه عن حل المشكلة.

وتُرجع مؤسسة المياه، أسباب الأزمة إلى وجود أعطال في شبكة المياه، وطوراً إلى انقطاع التيار الكهربائي، والعجز عن ضخ المياه، مشددين على حاجة محطات المياه لاستمرارية الكهرباء بصورة متواصلة، وأن انقطاع الكهرباء المتكرر هو ما يعرقل آلية الضخ لتلك المناطق، إضافة الى عدم جاهزية مولدات الكهرباء لتغطية العجز.

مصدر في مؤسسة المياه أفاد “الشارع”، أن “كمية المياه المنتجة لا تكفي للاستهلاك المتزايد. كما أن الآبار الحالية لم تعد تعمل بطاقتها الإنتاجية، إذ غالبيتها متوقفة عن العمل. زد إلى ذلك انقطاع الكهرباء المستمر، والذي أصبح يؤثر بشكل مباشر على تشغيل مولدات ضخ الآبار”.

ويتهم ناشطون وحقوقيون، مؤسسة المياه والصرف الصحي بالمساهمة في تفاقم أزمة المياه في المدينة، من خلال منحها تراخيص استثمارية لأصحاب الآبار الخاصة لبيع مياه الشرب، دون مراقبة أسعارها التي تزيد يوماً بعد آخر. وهو ما ضاعف من معاناة الأهالي الذين يعانون أساساً من أوضاع اقتصادية صعبة للغاية من جراء الحرب، حسب قولهم.

يقول أحد الناشطين لـ “الشارع”، إنّ “عمليات توزيع مياه المشروع الحكومي على الأحياء في المدينة تجرى بشكل غير عادل من قبل المؤسسة العامة للمياه”.

ويوضح، أن “أحياء يصلها مشروع المياه بين الحين والآخر، وأحياء أخرى لا تصلها طوال أشهر”. مشيرا إلى أنّ بعض أهالي المدينة لجأوا لانتظار صهاريج المياه المتنقلة الذي يرسلها فاعلو الخير إلى الأحياء بشكل متقطع”.

بينما يرجح مراقبون، أنّ الأسر التي نزحت من مناطق المواجهات المسلحة إلى المحافظة، خلال السنوات الماضية، ساهمت بشكل كبير في تفاقم مشكلة أزمة المياه، بسبب ضغطها على الخدمات.

متى تطوى صفحة الكابوس المرعب؟

وفي غمرة انشغال العالم من  الاحتراز من كورونا والقضاء عليه، يتكبد الأهالي في عدن عناء ومشقة البحث عن طرق إيجاد المياه. حيث غدا الحصول عليها هما مؤرقاً، كما تتسبب بمضاعفة مشاكل إضافية على صعيد الأسرة والفرد أشغلتهم عن الاحتراز من كوفيد-19، ما أثر على مختلف أشكال الحياة العامة، وأربكت أنشطة المواطنين اليومية.

وتمر السنين وما تزال معاناة الأهالي مستمرة من كل النواحي، وبالأخص منها الاقتصادية. ومع تفاقم هذه الأزمة وشحة ضخ المياه للمنازل خصوصا في الأحياء الشعبية الفقيرة، ذهب المواطنون إلى البحث عن خيارات أخرى يضمنون بموجبها الحصول على مياه الشرب بدلا عن خدمات المؤسسة المتردية.

إذ تجاوزت خياراتهم شراء الخزانات الإضافية والمضخات، حيث وصلت إلى حفر الآبار العشوائية، واللجوء إلى بعض الحلول اللاإنسانية. الأمر الذي يفاقم من مشاكل ومعاناة أهالي المدينة.

كما أن ذلك كله، شغل الغالبية في عدن، عن مواجهة تفشي فيروس كورونا. الذي قد لا يجد أي صعوبة تذكر في نهش أجساد تكالبت عليها كل الظروف لتضعهم في عجز تام ولسان حالهم يكاد يصرخ: متى تطوى صفحة الكابوس المرعب؟

نُشر هذا التقرير بدعم من JHR/JDH – صحفيون من اجل حقوق الانسان والشؤون العالمية في كندا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى