التمريض في مأرب.. نافذة على الأخطاء الطبية

– معاهد تدريب في المدينة تدرس التمريض في ستة أشهر وبتنسيق مع الجهات الحكومية
– شابة في مقتبل العمر كادت تفقد حياتها نتيجة تعاطيها أدوية منتهية الصلاحية صرفت لها من إحدى المستشفيات الحكومية في مدينة مأرب
– امرأة في الثلاثين وجدت نفسها عاجزة عن الحركة، وشبه مقعدة، نتيجة خطأ طبي ارتكبته ممرضة
– معهد تدريب يملكه نافذون في حزب الإصلاح هو الأبرز في مأرب يحصل فيه الطلاب على دبلوم في التمريض بعد ستة أشهر
مأرب- “الشارع”- تقرير خاص:
يتعرض العشرات من المرضى، في المستشفيات الحكومية والخاصة، لشتى الأصناف من الأخطاء الطبية، في ظل نظام صحي منهار بفعل الحرب التي تشهدها البلاد، ومرافق تعج بالعشرات من الكوادر الصحية، تحديداً الممرضين، غير المؤهلة تأهيلاً جيداً، والذين يفتقرون للخبرات والتدريب، ولو في حدوده الدنيا.
ففي محافظة مأرب تنتشر العشرات من المعاهد التي أنشئت خلال الخمس السنوات الماضية، تزامناً مع الازدحام السكاني المتزايد في المحافظة التي ظلت نائية وتفتقر لأبسط البنى التحتية والخدمات طيلة عقود مضت، حيث تعمل هذه المعاهد بعيداً عن أي معايير أكاديمية أو رقابة رسمية، من قبل السلطات المحلية، على مخرجاتها.
نور (اسم مستعار) امرأة في عقدها الثلاثين، وجدت نفسها عاجزة عن الحركة، وشبه مقعدة، نتيجة خطأ طبي ارتكبته ممرضة، بعد إعطائها حقنة خاطئة، في إحدى المستشفيات الحكومية في مدينة مأرب، مطلع العام 2020.
يقول زوجها “م. س” لـ “الشارع”، إنه أسعف زوجته نور “وهي تعاني من مخاض الولادة بعد تعسرها، لأنها كانت تحمل في أحشائها توأمان، وفور الوصول إلى المستشفى أدخلت غرفة الولادة، ولم تكن الطبيبة المختصة موجودة حينها، وهو الأمر الذي لم أعرفه إلا فيما بعد”.
يضيف: “بعد أن أدخلت الزوجة إلى غرفة الولادة باشرت ممرضة متدربة على الفور بإجراءات التوليد، لكن الأمر لم يفلح معها، وتسببت بكارثة حيث توفي الطفلان، فيما الأم تعاني من صعوبة في المشي بعد أن حقنتها الممرضة بطريقة خاطئة، سببت لها تورم في بداية الأمر، حتى تطورت مضاعفات الخطأ إلى صعوبة في الحركة”.
قائمة الأخطاء الطبية في بلد فقير كاليمن، يعيش مؤخراً حالة حرب لا حصر لها، تتنوع بين التقصير والإهمال وعدم امتلاك القدرات والخبرات الكافية، علاوة على افتقار البعض من أطباء وممرضين أخلاق مهنية تؤهلهم لأن يكونوا مؤتمنين على أرواح الناس، حيث يذهب المريض إلى المستشفى ليشكو أعراضاً بسيطة، ليعود إمّا جثة هامدة، أو معلولاً لما تبقى من عمره، بسبب تشخيص غير دقيق، أو وصفات علاجية تضاعف من معاناته، أو عاهة مستدامة يسببها خطأ طبي.
ويرجع طبيب مختص يعمل في إحدى المستشفيات الحكومية بالمحافظة، أن هذه الأخطاء الكارثية تعود بدرجة أساسية لغياب دور مكتب الصحة العامة والسكان المسؤول عن القطاع الصحي في المحافظة بشقيه العام والخاص، إضافة إلى المعاهد غير المؤهلة من ناحية الكادر المتخصص في بناء وتأسيس الخريجين، وإدارة المستشفيات في التساهل مع هذه المعاهد.
وتعمل المعاهد التدريبية المنتشرة في مأرب، وكغيرها من المحافظات، على إعداد ممرضين ناقصي التأهيل، حيث تقوم بتدريبهم لمدة ستة أشهر، خمسة أشهر منها دراسة نظرية، ويختم الطالب الشهر السادس بالتطبيق في إحدى المشافي الحكومية بالمحافظة، ومن ثم يلتحق بالعمل في إحداها، ويعتمد ذلك على مستوى ودرجة الحظوة من المسؤولين الحكوميين، وإن خاب حظه في ذلك سيجد الباب مشرعاً أمامه للعمل في إحدى المراكز الصحية الخاصة، التي تعمل هي الأخرى خارج سياق الرقابة والإشراف الرسمي على أدائها. بينما تتفق المعايير الدولية والقوانين المحلية على أن مزاولة مهنة التمريض لا يسمح بها إلا بعد دراسة من سنتين إلى ثلاث سنوات، أي بما يعادل درجة الدبلوم في المستوى الأكاديمي كأقل مستوى دراسي للعاملين في هذا المجال.
“أكاديمية رائدون” والكائنة في محافظة مأرب، والتي تعود ملكيتها، حسب مصادر مطلعة، إلى قيادات نافذة في حزب الإصلاح، هي الأبرز في هذا المجال بتقديم دبلوم في التمريض يحصل عليه الطلاب بعد ستة أشهر.
وتفيد المصادر أن هذه المؤسسة التجارية، والتي تنتحل صفة “أكاديمية”، أبرمت اتفاقات مع عديد مستشفيات وجهات رسمية حكومية في تأهيل كادر صحي بهذه المستويات المتدنية من التعليم، والمعايير الأكاديمية غير المتخصصة، خصوصاً في مجال التمريض.
وتحدثت إحدى الخريجات من هذه المؤسسة التجارية لـ “الشارع”، رافضة الكشف عن هويتها قائلة: “بعد إتمام الدراسة في “أكاديمية رائدون”، وخصوصاً أني لم ألتزم بالكثير من المحاضرات، وقفت متهيبة من مسألة التطبيق في مستشفى الهيئة العام في مأرب، وكانت الإدارة قد أجرت كافة الترتيبات والتنسيق بحسب الاتفاق الموقع بين الجهتين”.
وتضيف: “أثناء الدراسة أتذكر أنه في “الأكاديمية” أعطيت لنا محاضرة خياطة الجروح، والتي برغم أهميتها البالغة لممتهني التمريض خلال يوم واحد فقط، وغيرها الكثير من المواضيع المهمة، فكيف سيكون وضعي في عملية التطبيق، لكن نفس الحال في المعهد وجدته في المستشفى، والمحصلة شهادة لا معنى لها بالنسبة للطالب، وباب للدخل لهذه الدكاكين والفاسدين، فهو في الأخير عبث بحياة الناس”.
وعبرت الطالبة عن حسرة كبيرة لضياع ستة أشهر في ذلك المعهد، بخلاف دفعها لمبلغ مالي كبير كل شهر، لم تتلق خلال الفترة أي معلومات مفيدة تؤهلها للعمل، ليذهب كل هذا – وفقاً لما ذكرت- “هباءً دون أي فائدة”.
فرصة لأصحاب المعدلات المتدنية
المصادر المطلعة تفيد أن هذه المعاهد تجد في خرجي الثانوية العامة من أصحاب المعدلات المتدنية ضالتها، حيث تتبع أكثر الأساليب احترافية في مجال التسويق لاستقطابهم في الحصول على شهادات يعوضون بها اخفاقاتهم، وبالمقابل يتلقون تدريس سطحي لا يرتقى حتى إلى مستوى الدورات التأهيلية، حيث لا تتجاوز ساعات الدراسة في اليوم الثلاث إلى الأربع ساعات فقط.
وتقول المصادر ذاتها “إن هذه المعاهد تزرع الوهم لدى جميع المتقدمين للدراسة فيها، وأنه بإمكانهم الحصول على وظيفة في أي مستشفى طالما اجتازوا مدة الدراسة التي تصل لستة أشهر، غير آبهة بمستقبل هؤلاء الطلاب والمرضى الذين قد يتلقون العلاج على أيديهم مستقبلاً”.
ضحية أخرى
بعد أيام من واقعة المرأة “نور”، تعرضت امرأة مسنة في العقد الخامس من عمرها، في المدينة ذاتها، لخطأ طبي مماثل، بعد أن أسعفها أبناؤها إلى إحدى المشافي الخاصة في المدينة، وهي تعاني من توعك في صحتها.
ويقول نجلها: “بعد أن فحصها الطبيب قرر لها العلاج والحقن، ووجه إحدى الممرضات، وهي خريجة معهد تدريبي، بضرب إحدى الحقن لها في ذلك الوقت قبل مغادرتها”.
ويضيف: “بعد ضرب الإبرة بدأت الوالدة تشعر بالدوار والحمى، وحدث لها انتفاخ “ورم” في مكان ضرب الإبرة، وعلى الفور أسعفناها إلى مستشفى آخر، لنتبين بعدها أن كل ذلك كان ناتج عن خطأ في ضرب الحقنة، تسبب لها بفقدان مؤقت للحركة، وظلت فترة طويلة تعاني من صعوبة في المشي.
ومن قبيل هذه الأخطاء، تقول شابة في مقتبل العمر إنها كادت تفقد حياتها نتيجة تعاطيها أدوية منتهية الصلاحية، صرفت لها من إحدى المستشفيات الحكومية في مدينة مأرب، حيث يكشف ذلك بوضوح مدى الاستهتار الكبير بصحة الإنسان، واللامبالاة التي وصلت إليها الخدمات الصحية في البلاد، وتغييب الجهات التعليمية الطبية من معاهد وكليات في عدم تلقين الدارسين فيها المعرفة الصحيحة، والأمانة المهنية في الحفاظ على أرواح المرضى، ومساعدتهم في التعافي وليس الدفع بهم إلى الهلاك.
استياء
ويعبر الطبيب “ع. ص” الذي يعمل في إحدى المستشفيات الحكومية بالمحافظة عن استيائه الشديد مما يحصل على مرأى ومسمع من مكتب الصحة العامة والسكان بالمحافظة، واللامبالاة إزاء ما يجري، حيث يقول: “إن ذلك مقامرة بأرواح الناس دون أدنى مسؤولية”.
ويوضح أنه ومن واقع تجربته الشخصية مع العديد من الأشخاص الذين يساعدونه في أعمال التمريض المختلفة، ويدرسون حالياً في معهد صحي، أنهم لا يعلمون أي شيء عن التمريض، بما في ذلك ضرب حقنة لمريض.
ويضيف: “بعد سؤالي عن دراستهم علمت أنهم في سنوات الدراسة الأخيرة، ومع هذا لا يفقهون شيئاً، وهو ما جعلني آخذ حذري تماماً، حيث لا أجعلهم يتعاملون مع المرضى على الإطلاق”.
ويكشف الطبيب “ع. ص” عن أخطاء كارثية تنبههم الكلية أو المعهد من الوقوع فيها خلال الدراسة، غير أن تلك المعاهد لا تعلّمهم تلك الأخطاء التي من الممكن أن تودي بحياة المريض، لأنه لا يوجد فيه أي هيكل دراسي واضح، أو أعضاء تدريس أكاديميين، وهذا ما يجعل مستقبل العمل الصحي على حافة الهاوية.
مستشفيات مصغرة
ويتواجد في العديد من شوارع المدينة، التي توافد إليها عشرات الآلاف من النازحين خلال السنوات الخمس الماضية، العديد من الصيدليات، لا يقتصر عملها على بيع وشراء الأدوية فحسب، بل تتخذ منها أيضاً، في ذات الوقت، مقراً كعيادات مصغرة لضرب الإبر ومعاينة المرضى، ووصف الأدوية لهم، متحولة بذلك – بحسب ما وصفها عدد من الأطباء- إلى مستشفى مصغر يديره صيدلي، مهمته أو مهنته الأساسية بيع الأدوية وفق إرشادات الطبيب، وليس القيام بمهام الطبيب في التشخيص ووصف العلاجات والأدوية للمرضى.
كل ذلك يتم – وفق المصادر- دون أي رقابة فعلية من الجهات المعنية والمختصة بالمحافظة، ممثلة بمكتب الصحة العامة والسكان، الذي لم يقم بدوره في ضبط وإحالة تلك الصيدليات والعاملين فيها للتحقيق ومساءلتهم عن مخالفات ترتكب، من الممكن أن تودي بحياة الكثير من الناس دون رقيب أو حسيب.
تناقض مع أخلاقيات المهنة
ويتناقض كل ذلك مع ميثاق أخلاقيات مهنة التمريض، التي تُلزم قطاع التمريض في كيفية التعامل مع المرضى، وتؤكد على أنه يتحمل الممرض مسؤولية شخصية لممارسات التمريض، كما تلزمه التحلي بالكفاءة من خلال التعليم المستمر، وتقديم الرعاية التي تنسجم مع سلامة وكرامة وحقوق المريض.
على مرأى ومسمع
ويحدث كل هذا العبث على مرأى ومسمع من الجهات المعنية في السلطة المحلية بشكل عام، ومكتب الصحة بالمحافظة على وجه خاص، بل يعتقد العديد من الأطباء في مأرب أن الجهات المعنية متواطئة، بل وشريكة مع هذا العبث الذي يحدث كل يوم، ويتفاقم أكثر وأكثر، وإلا كيف يتم التغاضي عن معاهد تدريبية تقوم بتدريس دبلوم في التمريض لمدة ستة أشهر، وبالاتفاق وبالتنسيق مع مستشفيات حكومية يسمح لهم بالتطبيق فيها.
ويجمع عامة الناس، وقبلهم المختصون، على أن حالة انفلات كبيرة يشهدها القطاع الصحي في المحافظة، وعلى مستوى البلاد ككل، وتشكل الجهات المعنية جزءاً أكبر من أدوات هذه الفوضى، وتعمل في ظل رعاية وحماية من قادة نافذين في السلطة.
عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 16 أبريل 2020، العدد 1225.



