تعذيب وحشي للمعتقلين في شبوة

-
عبد الكريم الكربي يروي لـ “الشارع” التعذيب الذي تعرض له من القوات الموالية لحزب الإصلاح في شبوة
-
كُنتُ أُصَوِّر مظاهرة عزان السلمية، فأخذوا تلفوني وفتشوه، ثم اعتقلوني
-
الجنود تلفظوا علي بألفاظ بذئية وأخذوا كل ما أملك؛ تلفوناتي، ومودم شبكة نت، والفلوس التي كانت معي
-
وضعوني في كونتيرة مغلقة ومعلقة في معسكر الخرمة، وأخذوا يسبونني، ويسبون الجنوب، والتحالف العربي
-
جاؤوا بمعتقلين آخرين حتى أصبحنا ٤٧ معتقلاً في الكونتيرة الصغيرة المغلقة، فضقنا ذرعاً ببعضناً، لأن الأكسجين أخذ ينقص علينا
-
سحبني العسكري إلى خارج الكونتيرة، وظل يضربني بعصى حتى بدأت أفقد توازني
-
في الليل جردوني من ملابسي، وقاموا بربطي، وشرعوا في تعذيبي دون رحمة
-
أحضروا إبرة ممتلئة بالماء، وأخذوا يحقنوني بالماء تحت الجلد في كل جسمي، والألم الذي شعرت به أكبر من أن أصفه لكم
-
أحدهم غرس الإبرة وكسرها في ظهري، خلف القلب تماماً
-
أحضروا سلك كهربائي كبير أطرافه مجروحة وحادة، وأخذوا يضربوني بها، وكانت تنغرس في جسمي فينتزعونها بقوة، حتى فقدت الوعي
-
التقرير الطبي: الإبرة كانت تسير نحو شرايين القلب، وكانت ستؤدي إلى الوفاة
-
كان الجنود يعيدون لنا قناني المياه التي نتبول فيها وهي ممتلئة بالماء لكي نشربه
-
هربت من الكونتيرة بعد ما لاحظت انشغال الجنود عند وصول سيارة القات
المقدمة:
“المتهم بري حتى تثبت إدانته”، هكذا هي القوانين المتعارف عليها في جميع الدول، إلا أن القوات الموالية لحزب الإصلاح في شبوة، ترى في كل شخص مجرماً حتى تثبت براءته! من ليس مع حزب الإصلاح، ومراكز القوى المتحالفة معه، فهو “مجرماً”؛ دونما حاجة إلى جريمة جنائية أو قائمة أدلة حقيقية! والشاهد اعتقال كثير من المواطنين بالمخالفة للقانون، ودون ارتكابهم لأي جرائم تبرر اعتقالهم، إلا أنهم ليسوا مع حزب الإصلاح، أو معارضين لسياساته!
هكذا، أصبحت المعارضة السياسية، والاختلاف الفكري، جريمة تستوجب تعذيب “المتهمين” بها، والتنكيل بهم؛ حد القتل أحياناً! وإلى شبوة، يحصل هذا في مأرب وتعز؛ ما يؤكد أن التطرف العنيف هو جوهر حزب الإصلاح، والأساس الفكري الذي قامت عليه جماعة الإخوان المسلمين بشكل عام.
في ٣ أكتوبر ٢٠١٩، خرجت مظاهرة في مدينة عزان، محافظة شبوة، منددة بسيطرة القوات الموالية لحزب الإصلاح على مدينة عتق. هناك مقطع فيديو يظهر فيه أحد جنود تلك القوات يوجه سلاحه الكلاشنكوف نحو سعيد تاجرة، ويطلب منه إنزال العلم الشطري. رفض “تاجرة” إنزال العلم، فأطلق عليه الجندي الرصاص وأرداه قتيلاً. يومها، اعتقلت القوات الموالية لحزب الإصلاح أكثر من ٥٠ شخصاً من المتظاهرين، بينهم الجندي في القيادة والسيطرة بقوات النخبة الشبوانية، عبدالكريم الكربي. توالت، بعدها، عمليات الاعتقال لتصل إلى (193) معتقلاً. وتعرض كثير من المعتقلين لعمليات تعذيب. “الكربي”، تعرض لتعذيب وحشي، ثم استطاع الهرب من المعتقل، بأعجوبة تحفها مخاطر محدقة.
“الشارع”، التقت بعبدالكريم الكربي، وأجرت معه هذا الحوار، الذي يحكي فيه قصة اعتقاله، والتعذيب الذي تعرض له، ويتعرض له كثير من المعتقلين في سجون شبوة.
حاوره صابر السليس:
- عبد الكريم كيف تم اعتقالك؟
اعتقلت يوم الخميس، في 3 أكتوبر الماضي، حين شاركت في مظاهرة عزان السلمية، وبينما كنت أصور المظاهرة بهاتفي جاءني عسكري، وحاول أخذ الهاتف مني، ولكنني رفضتُ إعطائه له، ثم قال لي: “الفندم يريدك”، فذهبت معه إلى حيث يقعد أفندمه، فأخذوا هاتفي، وقاموا بتفتيشه ثم أمسكوني، وأخذوني إلى معسكر الخرمة – معسكر قوات النخبة سابقاً في عزان – وفي طريقنا إلى “الخرمة” كان الجنود يتلفظون علي بألفاظ بذيئة وغير أخلاقية، وأخذو مني كل ما أملك من تليفونات، ومودم شبكة نت، وفلوس كانت بحوزتي.
- في معسكر الخرمة، أين وضعوك، وكيف كانت معاملتهم لك؟
عند وصولنا “الخرمة”، وضعوني في كونتيرة مغلقة، وأخذوا يسبونني، ويسبون الجنوب، والتحالف العربي.. بقيت وحدي وإذا بهم يأتون بالمعتقلين الواحد تلو الآخر، ولم ينتصف نهار ذلك اليوم إلا وعددنا وصل إلى 47 معتقلاً، من بيننا الإعلامي صالح مساوى، والأديب والشاعر عبد الرحمن العشملي.. ضقنا ببعضنا ذرعا وأخذ الأكسجين ينقص علينا، لأن مساحة الكونتيرة لا تتجاوز 3 في 5 متر، لاسيما وأنها مغلقة ومعتمة وحرارة الشمس ساقطة على سقفها مباشرة.
- ما الذي جرى بعد ذلك، يومها؟
بقينا إلى مغرب اليوم نفسه.. فقلت للمعتقلين: “دعونا نضرب عن الطعام، فإذا أتو لنا بالعشاء، سنقول لهم: نحن مضربين..”؛ في محاولة منا لتحسين أجواء السجن، وكنا نريد أن نقابل قيادتهم، لنسألهم عن أسباب اعتقالنا.. وبالفعل عندما أعطونا وجبة العشاء، قمنا، أنا وشخص يُدعى (ي.ج.ع)، وقلنا للعسكري: “نحن مضربين عن الطعام، ولن نأكل إلا إذا قابلنا قيادتكم، ومعرفة أسباب اعتقالنا”.. قال لنا العسكري: “أنتم محرضين إذا؟”.
- ( مقاطعاً ) ما الذي فعله العسكري معك بعد ذلك؟
سحبني العسكري إلى خارج الكونتيرة، وضربني بعصى كانت معه.. ظل يضربني إلى أن خارت قواي.. ورآني بدأت أفقد توازني، فتركني قليلاً، ثم قال لي: “با أرجعك الكونتيرة، ولكن ما أشتي حد من السجناء يعرف بالذي حصل معك”.. وهددني: “إذا كلمتهم بأي شيء، با نعذبك أضعاف هذا العذاب”. لم أخبر السجناء بما حصل معي، واكتفيت بالقول: “حققوا معي فقط”.
- ما الذي حدث بعد ذلك، وما هي طرق التعذيب التي استخدموها معك؟

لم أنم تلك الليلة من كثرة الألم، وبعد الثلث الأخير من الليل، بعد أن انهكني الألم، غلبني النعاس، وإذا بأحد الجنود يناديني، فنهضت.. أخذني معه إلى إحدى الغرف.. فقاموا بتجريدي من ملابسي، وألبسوني سروال قصير، وقاموا بربطي، وشرعوا في تعذيبي بدون رحمة، أو شفقة، أو مراعاة لحقوق الإنسان. ضربوني بالعصي حتى خارت قواي، ثم أحضروا حُقَنْة (إبرة) ممتلئة بالماء، وأخذوا يحقنوني بالماء تحت الجلد في كل جسمي، وكان ألم وحرقة الماء تحت الجلد شديداً جداً، وأكبر من أن أصفه لكم.. وبينما هم كذلك سمعت أحدهم، وأنا كأنني سكران لا أعي ما يحصل، وإذا به يقول لصاحبه: “هيا اتخلص من الإبرة”، فقام الذي كان يحقنني بالماء بوخزي بالإبرة، وكسرها في ضهري خلف القلب تماماً.. ولم يكتفوا بذلك، فقد أحضر أحدهم سلك كهرباء كبير مجروح الأطراف، فشاهدت الأسلاك الحديدية وهي بارزة بشكل منحني مثل (سنارة الاصطياد)، فاخذوا يضربونني بأطراف السلك، وكانت أطرافه الحادة تنغرس في جسمي فينتزعوه بقوة حتى أصبح جسمي منهوشاً، وكأن ذئاباً أكلتني، ثم فقدت وعيي ولم أعي بعدها ما الذي حصل لي.. إلا بعد أن أفقت.. أفقت وإذا بي في غرفة أخرى..
- ( مقاطعاً ) هل عذبوك مرة أخرى؟
لا، تركوني أهدأ قليلاً، وعندما رأوني صحيت تماماً، ألبسوني ملابسي وأعادوني إلى الكونتيرة عند أصحابي، مع نفس التهديد والتحذير السابق، بألّا أتحدث عن شيء مما حصل معي.. وكنت متعباً جداً وأشعر بألم لم أشعر به من قبل، فغلبني النعاس ولم أصحُ إلا قبل ظهر اليوم الثاني.
- هل قاموا بتعذيب أحد غيرك، أم اكتفوا بتعذيبك فقط؟
بالطبع أخذوا غيري، ففي منتصف الليل من يوم الخميس أخذو المعتقل (ي.ج. ع)، الذي تم ذكره سابقاً، حين تكلمنا عن الإضراب عن الطعام، وبعد مضي ساعتين أعادوه، وعندما سألته عما فعلوه به، اكتفى بالقول: “حققوا معي فقط”، فعرفت أنه تعرض للضرب مثلي، وتم تهديده كما هددوني بعدم الحديث.
وكذلك عذبوا شخصاً يدعى (ع. أ. ج)، احتج على عملية اعتقاله، وعندما سألهم: “لماذا اعتقلتموني؟!”، انهالوا عليه ضرباً بأعقاب البنادق حتى أدموا وجهه، ورموه في الكونتيرة، وبدأ هذا الشخص ينزف ويسيل منه الدم بغزارة، فطلبنا من الجنود إسعافه، أو على الأقل تضميد جروحه، فرفضوا واكتفوا بالقول: “دعوه يموت..ما لكم دخل”!
وهناك 9 أشخاص جاؤوا بهم إلى الكونتيرة، في اليوم الثاني، ورأيناهم يضربونهم بالعصي وأعقاب البنادق.
- هل هناك وسائل تعذيب أخرى تعرضتم لها؛ كمنع الطعام عنكم، أو الشراب؟
بالنسبة للأكل استخدموا لنا طريقة لتعذيبنا بها غير منعه، فقد كانوا يكدسون الأكل، ويأتون بكثير منه، وحين ننتهي من الأكل، وبالطبع يزيد كثيراً، كانوا يرفضون إخراجه من الكونتيرة.. وكما قلت مسبقاً، الكونتيرة مساحتها صغيرة وعددنا كبير، والأكل الذي يزيد كثيراً كان يضايقنا، وتضايقنا روائحه.. وعندما كنا نقول لهم: “اخرجوا هذا الأكل”، يرفضون ذلك.. كانوا متعمدين تعذيبنا بهذه الطريقة.
أما أسلوب تعذيبنا بشرب الماء فكان من نوع آخر، حيث كانوا يأتوننا بقناني ممتلئة بالماء، ويمنعون عنا التبول خارج الكونتيرة.. ولم نجد مخرجاً للبول إلا في تلك القناني، ولكنهم كانوا يأخذونها بعد أن تمتلئ بالبول، ويعيدون تعبئتها مرة أخرى بالماء ويعيدوها إلينا.. فكنا نشرب مغصوبين، ونحن نشم رائحة البول تفوح منها.. وسمحوا لنا الليلة الثانية فقط بالخروج لقضاء الحاجة، وكان فوق رأس كل واحد منا ثلاثة جنود. وكانوا يسبوننا ويتلفظون علينا بألفاظ بذيئة كنعتنا بـ “عبيد الإمارات”، و”عبيد الدرهم”، وغيرها من الألفاظ البذيئة.
- من خلال كلامك، يبدو أنه لم يشفق لحالكم أيٌّ من الجنود..؟
لا.. كان هناك شخص يحمل رتبة نقيب، وهو ليس من قوات الأمن الخاصة (التي يقودها لعكب)، بل من “اللواء جبلي”.. كان ذلك النقيب يطمئن علينا، ويطمئننا بأننا سنخرج قريباً، ومرة أحضر لنا ماء، فقد كان والله رجلاً، ولكن ما تعرض له من قبل جندي من جنود قوات الأمن الخاصة جعلني أشفق عليه..
- (مقاطعاً) ما الذي فعله الجندي مع ذلك النقيب؟
عندما أحضر لنا ذلك النقيب الماء، دخل أحد الجنود، وكان يدعى “أبو متعب العمراني”، وأعتقد أنه كان الكل في الكل في قوات الأمن الخاصة، بعد “لعكب”، فأمسك بالنقيب من رقبته، وأخذ يوبخه، ويسأله: “ليش تدخل لهم ماء، ومن أمرك بذلك؟!”، وكأنه جندياً معه، مع أن رتبة النقيب أعلى من رتبة المدعو “أبو متعب”.. وأخرجه من الكونتيرة، وهو ممسك له برقبته، ولا نعلم ما الذي حدث له في الخارج.
- كيف هربت من المعتقل؟
هروبي من الكونتيرة كان مغامرة، ولكن بعد ما تعرضت له من تعذيب سئمت البقاء.. ولحسن الحظ أن أرضية الكونتيرة كانت عبارة عن ألواح خشبية، والكونتيرة مرتفعة نوعا ما، على أعمدة إسمنتية، فقلت للشباب: “سنفتح الخشب ونهرب”.. وبدأنا نحاول تكسير الألواح ولم نستطع إلا كسر لوح فقط، وكانت الفتحة صغيرة..
- (مقاطعا) كسرتم اللوح في الليل أم في النهار، وفي أي وقت هربت أنت؟
كسرنا اللوح في الليل، ولكنني هربت في منتصف نهار يوم الجمعة، عندما بدأت المساجد تؤذن..
- (مقاطعاً) كيف غامرت وهربت في منتصف النهار ومعسكر الخرمة تحيط به الأبراج؟
لا أنا استغفلت الجنود، لأنني في اليوم الأول (اليوم الذي اعتُقِلتُ فيه) رأيت، من ثقوب صغيرة في الكونتيرة، الجنود وهم يهرعون، قبل الظهر، إلى سيارة القات.. جاء شخص على سيارة شاص ممتلئة بالقات، وكل الجنود هرعوا إليه لأخذ قاتهم. وفي اليوم الثاني (الجمعة) كنت أراقب الحركة من ثقوب الكونتيرة الصغيرة، وعندما رأيت سيارة القات أقبلت تهيئت للهروب، وقلت للشباب الذين مثلي نحيلين، وكان عددهم اثنين: “اهربوا معي”، ولكنهم رفضوا! وعندما رأيت الجنود حول سيارة القات، توكلت على الله، وانزلقت من فتحة الأرضية الخشب، وزحفت إلى أن خرجت من تحت الكونتيرة، ثم انطلقت بأقصى سرعة، وحمدت الله أنه لم يرني أحد.
- أين ذهبت ومدينة عزان (التي يقع فيها المعسكر) تسيطر عليها قوات الأمن الخاصة؟
دخلت مدينة عزان، ودخلت أول مسجد، والخطيب يخطب، ثم صليت الجمعة، وأنا أفكر ماذا سأفعل بعد الصلاة، وعندما سلمت، رأيت بالصدفة شخصاً معروفاً لدي، وكان يعلم أنه تم اعتقالي، فأخذني إلى بيته، وقلت له: “اتصل بزميلنا (س.ج)”، فاتصل به، وأخبره بأنني هربت، وأنني موجود عنده في البيت، فأرسل لنا شخص يدعى (ع.ي)، وهو زميل لنا في العمل أيضاً، فنقلني هو الآخر إلى بيته، وجاء صهره ونقلني إلى بيت شيخ من أهل باعوضة، لأن بيت زميلي ليس مؤمناً، وربما تداهمه تلك القوات، في حال شكت بأني متواجد فيه، أو في عزان وضواحيها..
- بعد ذلك، كيف خرجت من مدينة عزان، والقوات الموالية لحزب الإصلاح مسيطرة على مداخلها ومخارجها؟
الشيخ الباعوضي، الذي قلت لك بأنهم أوصلوني إلى منزله، أخذني بسيارته إلى “جول الريدة”، وأنا متخفٍ، وكان بانتظارنا الزميل (س. ج) في “وادي ميفعة”، وأخذني من الشيخ، وسلكنا طريق الوادي إلى أن تعدينا نقاط تفتيشهم، وطلعنا الخط واتجهنا إلى بلحاف مقر عملنا، ومن بلحاف مشيت إلى بيتي، وفي الليل انتابني تشنج وحالات إغماء متكررة، وألم في كل جسمي، وفي الصباح اتجهت إلى المكلا لإجراء الفحوصات والكشف عن الابرة التي تم كسرها في ظهري، وبالفعل عملت كشافة وأخبرني الدكتور أن الإبرة تسير وتتجه نحو شرايين القلب وفي حال التأخر عن إخراجها ممكن تصيب الشرايين، وتسبب الموت المباشر، وقرر لي عملية لاستخراجها، فوافقت وأجريت العملية، والحمد لله عدت إلى وضعي السابق.
عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 4 يناير 2020، العدد 1144.



