تعليم على خط النار ونقاط التماس

عناوين فرعية:
-
على خطوط التماس، هناك مدارس كثيرة أغلقت أبوابها، وتوقفت العملية التعليمية فيها
-
مدرسة عمر بن عبدالعزيز، أغلقت مقرها الرئيسي الكبير، منذ بداية الحرب، ونقلت إلى 3 مبانٍ مازالت قريبة من الخطر
-
صباح كل يوم، يأتي أكثر من 600 طالب وطالبة إلى المباني الثلاثة البديلة للمدرسة، وسط أجواء محفوفة بالمخاطر
-
خلال الفترة الماضية، قُتِلَ عدد من طلاب المدرسة برصاص القناصة الحوثيون
-
الطفل أسامة: كنا نجري في الشارع، وفجأة أصيب صاحبي أحمد برصاصة في الرأس، وسقط على الأرض والدم يخرج من رأسه
-
على مرمى حجر من مواقع يتمركز فيها مسلحو الحوثي يمر مئات الأطفال، صباح وظهر كل يوم؛ ذهاباً وعودة من وإلى مدرستهم
-
لا مقاعد دراسية كافية في المدرسة، وكُتُب المناهج الدراسية غير متوفرة
-
لا يعمل في المدرسة سوى 23 معلماً حكومياً، إلى جانب 30 معلماً ومعلمة تطوّعوا للتدريس دون مقابل
-
مدراس حكومية واقعة في المناطق الآمنة مازالت ثكنات عسكرية، ومقرات لقيادات الجيش الموالي لحزب الإصلاح
تعز- “الشارع”:
بالقرب من لوحة تحذر من وجود قناص، وعلى مرمى حجر من المواقع التي يتمركز فيها مسلحو مليشيا الحوثي، يمر الطالب أسامه (13عاماً)، صباح وظهر كل يوم؛ ذهاباً وإياباً إلى مدرسته، في مديرية صالة، مدرسة عمر عبدالعزيز.
يحرص الطفل “أسامة” على السير بخطى مسرعة، تجنباً لرصاص قناصة الحوثي، الذين سبق أن استهدفوا أطفالاً يسكنون ذات الحي، ويدرسون مع “أسامة” في المدرسة ذاتها.
إلى جانب “أسامة”، يمر مئات المدنيين، وعشرات الطلبة، الذين يقطنون الحي ذاته، ويدرسون في المدرسة ذاتها الواقعة على خط النار والقنص المستمر، في منطقة “صالة”، وسط مدينة تعز.
على خطوط التماس في تعز، يعيش الناس أيامهم بخوف، ويتلقى الطلبة دروسهم، في المدارس، وهم مسكونين بالرعب والخوف الدائم. مئات من الطلبة يخاطرون بحياتهم في سبيل مواصلة التعليم، حتى وإن كان ذلك سيكلفهم حياتهم. إن استمرار بقاء الحرب منذ نحو 5 أعوام، حَفَّزَهم للمضي في الدراسة؛ في ظل عدم وجود مؤشرات توحي باقتراب الحسم العسكري لتحرير المدينة، وتخليصهم من القلق الذي يعيشونه بشكل يومي.
على خطوط التماس، هناك مدارس كثيرة أغلقت أبوابها، وتوقفت فيها العملية التعليمية؛ بسبب الحرب وتبعاتها الكارثية والقاتلة. مدرسة عمر بن عبدالعزيز أغلقت أبواب مقرها الرئيسي الكبير، منذ بداية الحرب، لأنه يقع في خط التماس مباشرة. لكنها، افتتحت مقراً آخر لتواصل أداء مهمتها التعليمية. هذا المقر الجديد يقع في خطوط التماس، ولكن ليس في الجهة الأمامية منها. ومع أن المخاطر مازالت قائمة على طاقم المدرسة ومدرسيها وطلبتها، إلا أن الجميع مجبرون على مواصلة حياتهم اليومية، رغم أنهم محاطون برعب ومخاوف مستمرة. وخلال الفترة الماضية، قُتِلَ عدد من طلاب المدرسة برصاص القناصة الحوثيين.
معظم طلبة المدرسة، الذين التقاهم موفد “الشارع”، والتقط لهم صوراً، كانوا يدرسون في المدرسة الرئيسية، التي تحمل ذات الاسم. ولكن القنص الكثيف هناك، وسقوط العشرات قتلى وجرحى برصاص قناصة الحوثي، جعلهم يغادرون المدرسة الرئيسية، ويتحولون إلى مبنى بديل قامت إدارة المدرسة بترتيبه. ولا يعني ذلك أن المدرسة صارت في مأمن، أو بعيدة بشكل كامل عن خطوط التماس، بل صارت بعيدة قليلاً عن الخطر. هنا، صار الطلبة والعاملون في المدرسة أبعد قليلاً عن مدى رصاص القناصة. فالمدرسة الرئيسية، التي تم إغلاقها، كانت على خط التماس مباشرة، وكانت في منطقة مفتوحة ومكشوفة، حيث يستطيع القناصة الحوثيون استهداف الطلاب والمعلمين بسهولة وعن قرب.
مدير المدرسة: تعاني المدرسة من غياب المعلمين، ويعاني الطلبة من صعوبة التنقل
عبدالله ثابت، مدير مدرسة عمر عبدالعزيز، قال لـ “الشارع”: “نقلنا من المدرسة الرئيسية، لأنها تقع في مكان قريب من تمركز الحوثيين وقناصتهم، بل ومقابلة لمواقعهم، وكان لا يقدر أحد على الاستمرار فيها، بسبب كثافة القنص”.
وأضاف ثابت: “حاولت إدارة المدرسة توفير ثلاثة مبانٍ في مكان واحد، بديلة لمبنى المدرسة الرئيسي، بحيث تضم هذه المباني أكبر عدد من الطلاب في المرحلتين الأساسية والثانوية، ويبقى الجميع على قرب، مع ضمان سهولة تنقل المعلمين والطلاب.. وقد تم ذلك، وهذا الحل لا يعتبر حلاً جذرياً، إذ تعاني المدرسة من غياب المعلمين، ويعاني الطلاب من صعوبة في التنقل”.

وصباح كل يوم، يأتي أكثر من 600 طالب وطالبة إلى المباني الثلاثة البديلة لهذه المدرسة. يأتون إليها عبر طريق وحيد ليس آمناً بما يكفي. وظهر كل يوم، يغادرون المباني الثالثة، عائدين إلى منازلهم، مارين في الطريق ذاته.
تبدو مباني المدرسة البديلة غير مناسبة وغير ملائمة لأي عملية تعليمية، ومع ذلك يواصل الطلبة تعليمهم فيها، ويحاولون الصمود أمام المخاطر والتحديات والعراقيل. تفتقر المدرسة للأدوات التي يحتاجها الطالب، ناهيك عن وقوعها في الجانب المقابل والقريب من قناصة المليشيا الحوثية المتمركزين في “تَبَّة السلال”، وموقع “الجعشة”.. وذلك، مازال يُضاعف مخاوف الطلاب، لا سيما وقد قُتِلَ عدد من زملائهم، خلال الفترة الماضية، برصاص القناصة الحوثيين.
تبدو نظرات الطلبة مليئة بالخوف، ولكنها لا تخلو من ملامح تحدٍ دفعتهم إلى مواصلة التعليم في أوضاع محاطة بهذا القدر من المخاطر. يجلس الطلبة على مقاعد دراسية بهيئتهم المعتادة، يرتدون الزي المدرسي، ويمعنون في التعلم ويستمعون إلى مدرسيهم بانتباه واضح.. كما لو أنهم في منطقة آمنة.
قال أحد مدرسي المدرسة: “ما أصعب التعلم وسط ظروف حربية، وما أصعب التخلص من الخوف والقلق في ظروف محاطة بالرعب. ولكن الطلاب يحاولون الصمود”.
وأضاف: “جميع الطلاب باتوا ينظرون إلى المستقبل المخطوف، بعيون مليئة بالدموع، والحديث عن المخاطر التي تواجههم، هو حديث لا ينتهي.. فالبعض تعرض لعملية تخويف، وقنص بشكل مستمر، أثناء تنقلهم إلى المدرسة”.
الطالب أسامة يتذكر لحظة مقتل زميله برصاص قناصة
في سياق قصص القنص التي حدثت لكثير من الطلاب، يتذكر الطالب أسامة قصة قنص زميله أحمد، وهو في جواره، أثناء ذهابهم إلى المدرسة. يقول “أسامة”: “كنا نجري في الشارع، فجأة أُصيب صاحبي أحمد برصاصة في الرأس، وسقط على الأرض، والدم يخرج من رأسه”. قال ذلك بوجه شاحب، وصوت متقطع، يوضح حزنه العميق إثر فقدان زميله.
أضاف، بنبرة أكثر حزناً: “أنا خفت، وأسرعت أكثر حتى وصلت إلى مكان أمن من القنص، ثم التفت إلى أحمد، وكان قد مات، ولم نتمكن من أخذه في تلك اللحظة، خوفاً من القناص”.
من المخيف والمرعب أن يأتي أكثر من 600 طالب إلى مباني هذه المدرسة، ويغادرونها، عبر طريق وحيدة مازالت محفوفة بالمخاطر.
كثير من المدرسين منقطعون عن العمل

في الزيارة الميدانية، التقط مندوب “الشارع” صوراً للمباني الثلاثة التي صارت مدرسة بديلة لطلبة هذه المدرسة، وتحدث كثيراً مع بعض الطلاب، وسألهم عن الصعوبات التي تواجههم، واحتياجاتهم المدرسية العاجلة. أكد البعض أن الصعوبات التي تواجههم كبيرة: لا يوجد مقاعد دراسية كافية في المدرسة، كُتُب المناهج الدراسية غير متوفرة. وأوضحوا أن كل ثلاثة طلاب يشتركون في كُتُب المنهج الدراسي، في حال توفرت.
أفاد الطلبة أن ما تعانيه المدرسة هو غياب الموظفين (المعلمين) الرسميين، وانقطاعهم عن الدوام والعمل في المدرسة، مشيرين إلى أنه لا يتواجد في المدرسة سوى 23 معلماً حكومياً، إلى جانب 30 معلماً ومعلمة يعملون على تدريس الطلاب دون مقابل.
يلجأ المعلمون، أحياناً، إلى كتابة الدرس، وشرح المعادلات على جدران الفصول، التي لا تتوفر فيها سبورة التعلم. إنه التحدي بعينه في مدينة عُرف أهلها بالعزيمة وحب التعليم.
جرائم مستمرة لمكتب التربية و”الجيش”
تزداد المعاناة جراء عدم تجاوب مكتب التربية والتعليم في تعز مع مطالب المدرسة، وعدم حل مشاكلها. وهنا، لا نستطيع الإشارة إلى أن كثير من المدارس الحكومية الواقعة في مناطق آمنة داخل مدينة تعز، صارت ثكنات عسكرية، ومقرات لقادة قوات الجيش، الموالي لحزب الإصلاح. ومازالت أغلب هذه المدارس محتلة من قبل هذه القوات. وهذا يؤكد عدم اهتمام المسؤولين عن مدينة تعز بالتعليم، أو بمشاكل الناس.
لقد احتلت “قوات الجيش”، والمليشيات التابعة له، كثير من المدارس والمرافق الحكومية. من مدرسة “باكثير”، إلى مدرسة “سبأ”، إلى غير ذلك من المدارس. لقد تم احتلال هذه المدارس، وتُرِكَ الطلبة للتعلم في مبانٍ محاطة بمخاطر الموت، كما هو حال طلاب مدرسة عمر بن عبدالعزيز.
عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 6 يناير 2020، العدد 1146.



