كيف دمَّرتْ الحرب أهم وأكبر سوق تاريخي في تعز؟!

-
“سوق الشنيني”.. الكلاب أكثر من الزوار والمسلحين أكثر من التجار
-
ضبَّاطٌ وجنود من قوات “الجيش” شَكَّلوا عصابات للنهب والسطو وابتزاز المواطنين والتجار، ومازالت هذه العصابات تعمل بحماية “قادة الجيش”
-
تاجر: عمليات ابتزاز واسعة مورست ولا تزال ضد التجار وأصحاب المحال التجارية، الأمر الذي دفع هؤلاء إلى إغلاق محالهم
في “سوق الشنيني”، وسط مدينة تعز القديمة، تبدو لك ملامح الحرب، وملامح الحصار والانهيار واضحة؛ وذلك من خلال الحركة القليلة والبطيئة وكساد البيع. لقد غيبت الحرب، والمواجهات المسلحة، والهجوم على المدينة المتكرر من قبل جماعات “الإصلاح”، و”الجيش” التابع لها الكثير من التفاصيل كإيقاعات طرقات الحرفيين المتناغمة مع أصوات الباعة وتزاحم المارَّة على تموجات الشوارع الضيقة.
من “سوق الشنيني” يمكنك قراءة واقع المدينة القديمة من أول وهلة، حيث يعتبر السوق البوابة الرئيسة لهذه المدينة العتيقة والتاريخية، ومن “سوق الشنيني” وإليه تبدأ وتنتهي شوارع المدينة وأحيائها المختلفة.
يبدو السوق خالياً من الزوار، عدا ساعتين قبل الظهيرة بحسب الباعة هنا، يشهد فيها السوق حركة نوعاً ما، وحيث تكون المدينة في أوج زحامها، وبعد أن اختصرت المدينة في ثلاثة شوارع آمنة وبعيدة عن القصف الحوثي المستمر على المدينة.
وأنت تحاول أن تعرف أسباب تراجع السوق وانهيار الحركة فيه، ستجد أن البعض يظهر نوعاً من الغرابة تجاه هذا السؤال بحكم أن الواقع يجيب على هكذا استفسارات أكثر من كلام وحديث الناس، فالحرب ربَّما تختصر الحديث، والصورة تختصر المعنى والواقع بشكل أكبر.
لكننا وبحكم عملنا الصحفي، نحب، عادة، السماع من الناس وإن كنا نعرف الواقع وبعض تفاصيله.
يقول رشاد الحميدي: “قبل الحرب، كانت الحركة لا تتوقف في الشنيني.. كانت حركة البيع والشراء لا تتوقف فيه؛ منذ ساعات الصباح الأولى، وحتى ساعات متأخرة من الليل.. أما اليوم فالكلاب فيه أكثر من الزوار، والمسلحين أكثر من الباعة”.
يضيف، بنبرة أسف: “الحرب، والحصار قتل سوق الشنيني والتسوق فيه، إضافة إلى ظروف الناس، وطول وبعد الطرقات، ونزوح الكثير من السكان، خصوصاً الذين كانوا يسكنون في الأحياء التي لا زالت ساحة معارك ومواجهات؛ ككلابة، والقصر، والحوبان، والمركزي، وكثير من الأحياء المختلفة.. قَلَّت الناس في تعز فانخفضت الحركة في الشنيني بشكل كبير”.
يمضي “رشاد” في شرح الحال: “وضع الشنيني مختلف تماماً عما قبل الحرب، فالتاجر لم يعد يوفر السلع المختلفة لارتفاع أسعارها، وكلفة نقلها عبر طرقات وخطوط طويلة وخطرة، وبالطبع ضعف الإقبال من قبل الناس”. لافتاً: “الكثير من الأسر صارت تعتمد على الإغاثات التي تقدمها المنظمات الدولية”.
وما كان يميِّز “سوق الشنيني”، بحسب أصحاب المحال التجارية فيه، هو الحوانيت الخاصة بالحرف التقليدية، التي تمثل ذاكرة لأزمنة بأكملها، بحسب تعبيرات من تحدثنا إليهم.
اليوم لم يعد “الشنيني” يبيع الحبوب والأدوات الخاصة بأدوات الزراعة الحديدية والخشبية والحدادة وبيع الأعشاب الطبية، وغيرها كثير؛ كما يقول جسار عبدالله لـ “الشارع”.
وبحسب هذا التاجر، فقد كان عدد الحوانيت
في المدينة القديمة يصل
إلى 400 حانوت كانت تمارس نشاطاتها
الحرفية؛ كالصياغة وبيع الفخار والعطارة والمنسوجات، وبيع وصناعة الجنابي، وخياطة الأزياء
القديمة. واليوم لم يعد هناك أكثر من 15
حانوتاً منها.
كثيرة هي الأسباب التي أدَّتْ بـ”سوق الشنيني” إلى هذا الانهيار والدمار، أهمَّها المواجهات المسلحة التي شهدتها المدينة القديمة، خلال الفترات الماضية، خصوصاً تلك التي دارت بين “كتائب أبي العباس” و القوات التابعة والموالية لحزب الإصلاح.
قال تاجر، اشترط عدم ذكر اسمه: “الجماعات المسلحة مازالت حتى اليوم في المدينة القديمة، ومدينة تعز بشكل عام.. لم تختف الجماعات المسلحة من المدينة حتى بعد ترحيل جماعة “أبي العباس”.. ومازال المسلحين، والجماعات المسلحة، سبباً رئيساً في غياب الأمن، وفي إغلاق المحال التجارية، وفي خراب ودمار كثير من البضاعة والمواد والسلع في المدينة”.
ويؤكِّد هذا التاجر أن عمليات ابتزاز واسعة مورست ولا تزال ضد التجار وأصحاب المحال التجارية، الأمر الذي دفع التجار إلى إغلاق محلاتهم. وأشار إلى أن من قام، ويقوم، بعمليات الابتزاز تلك، هم جنود ينتمون إلى قوات الجيش شَكَّلوا جماعات مسلحة، من الجنود أيضاً، وقاموا بأعمال سطو ونهب، وعمليات ابتزاز للمواطنين والتجار في مدينة تعز.
وتؤكد المعلومات، والأخبار المتواترة، اليوم وخلال الفترة الماضية، أن المسلحون مارسوا أعمال ابتزاز واسعة على كثير من التجار وأهالي مدينة تعز، إذ سيطروا على كثير من المنازل، وطلبوا، ويطالبون، بدفع أموال مقابل إعادتها إلى أصحابها.
وقال تاجر آخر، اشترط أيضاً عدم ذكر اسمه: “هناك جنود وضباط شَكَّلوا عصابات للنهب والسطو على ممتلكات المواطنين والتجار، وممارسة أعمال ابتزاز ضدهم بهدف جعلهم يدفعون المال، وهؤلاء الضباط والجنود محميون بقادة الجيش.. وعمليات النهب والسطو والابتزاز قائمة حتى اليوم من قبل العصابات المشكلة من ضباط وجنود”.
…

تبعات القتال بين “كتائب أبي العباس”، والقوات الموالية لحزب الإصلاح، طالت حتى صغار الباعة. يقول سعيد، وهو بائع جُبن: “في آخر مواجهات عسكرية في المدينة القديمة، خرب الجبن حقي وخسرت 300 الف ريال”.
وعن تلك الأيام، أضاف: “كانت أياماً صعبة.. حصار وقتل ورعب وخوف، حتى بعد توقف المعركة، جلسنا شهر ولا نرى مشتر واحد،، الناس ظلوا عائشين في رعب وخوف، ويعتبر الذهاب إلى المدينة القديمة انتحار”.
عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 23 يناير 2020، العدد 1161.



