تقارير
حياة النزوح القاسية والمريرة

الحياة داخل مراكز إيواء النازحين في “الحُجَرِيِّة:
-
امرأة “مهمشة” تريد أن تبيع طفلتها بسبب عدم قدرتها على شراء الحليب والغذاء والدواء لها
-
تلجأ النساء النازحات إلى جلب مياه الشرب من الآبار المكشوفة، التي تبعد نحو ساعتين، سيراً على الأقدام
-
النساء يتعرضن، مع أطفالهن، للتحرش اللفظي والمضايقات في الطرقات وعند قيامهن بالاحتطاب من مناطق بعيدة
-
زواج الصغيرات منتشر في أحد مخيمات “المهمشين”، وشخص فقد عقله بسبب الحرب
مدينة التربة- “الشارع”:
بين ليلة وضحاها وجد اليمنيون أنفسهم أمام وضع مأساوي لم يكن في الحسبان، إذ حلت بهم كارثة لم تكن متوقعة. لقد اجتاحت مليشيا الحوثي العاصمة صنعاء، في سبتمبر 2014، ثم اتجهت إلى بقية المحافظات، وفرضت سيطرتها على كثير منها بالقوة. ومذاك، واليمن تعيش في حرب مفتوحة دمرت البلاد، وشردت كثير من اليمنيين.
سيطرت المليشيا على قرى ومناطق ومدن ومحافظات، وقامت بنهب المؤسسات الحكومية والممتلكات العامة والخاصة، ولاحقت وشردت كثير من المواطنين، وهجرت مئات الآلاف من منازلهم والقرى والمدن التي كانوا يسكنوها. كثير من المشردين لم يكونوا يتوقعون أنهم سيسكنون، مع أسرهم، في خيام.
آلاف من الأشخاص نزحوا من مدن عدة إلى مديرية الشمايتين، التابعة لمحافظة تعز. هؤلاء النازحون عانوا كثيراً أثناء مغادرتهم منازلهم، هروباً من جبروت مليشيا الحوثي. فروا من منازلهم الحديثة إلى وطن الخيام والتشرد. ويعيشون، اليوم، مع أسرهم، حالة من البؤس والحاجة الدائمة للنقود والغذاء، والافتقاد الدائم للشعور بالأمان.
“الشارع” زارت مخيم النازحين في “الشمايتين”، ورصدت معاناة النازحين فيه، وكانت هذه الحصيلة:
مركز النازحين في مدرسة الفقيد النعمان في “ذُبْحَان”
كان البدء بمخيم النازحين الواقع في “مدرسة الفقيد النعمان” في منطقة “ذُبْحَان”. في هذا المخيم هناك 28 أسرة نازحة، بمتوسط 7 أفراد للأسرة الواحدة؛ وبعدد إجمالي قدره 196 نسمة. هذه الأُسر هي من فئة ما يُعرف بـ “المهمشين”، وتفصيلها على النحو التالي: 28 رجلاً، والنساء 28 إحداهن مطلقة، والأطفال الإناث 80 نسمة،
والأطفال الذكور 40 نسمة.
وجدنا في هذا المخيم طفل منفصل عن والديه، ويعيش مع أسرة أخرى. وهناك ثمان طفلات، وعشرة أطفال يعملون في التسول، وهناك 3 أطفال مختلين عقلياً.
هناك اثنان من الرجال ليس لديهم بطاقات شخصية، وأربع نساء ليس لديهن، أيضاً، ما يُثبت هويتهن الشخصية. وهناك ثلاث طفلات، واثنان من الأطفال الذكور، ليس لديهم شهادات ميلاد. وتكفلت منظمة دولية بحل هذه المشكلة؛ مشكلة عدم امتلاك هؤلاء الأشخاص لوثائق تثبت هويتهم.
ينتشر في هذا المخيم زواج الصغيرات، والمفاجأة أننا وجدنا امرأة ترغب ببيع طفلتها لعدم قدرتها على شراء الحليب والغذاء والدواء لها.
يسكن هؤلاء النازحون في خيام مهداة من “الجمعية الكويتية” (12 خيمة)، فيما يسكن الآخرون في تسعة فصول دراسية داخل المدرسة.
وبسبب طول إقامتهم في المدرسة، التي تحولت إلى مخيم نزوح، يتعرض النازحين للتهديد بالطرد من المجتمع المضيف؛ لأن وجودهم عَطَّل الدراسة في المدرسة، وجعل الطلبة يذهبون إلى مدارس مجاورة.
تلجأ النساء في المخيم إلى جلب مياه الشرب من الآبار المكشوفة، التي تبعد نحو ساعتين، سيراً على الأقدام، ويتعرضن، مع الأطفال، للتحرش في الطرقات، والمضايقات عند قيامهن بالاحتطاب من أماكن بعيدة، لأن الأشجار مملوكة للأهالي المحليين.
مركز إيواء النازحين في مدرسة الفجر الجديد في التربة
يبلغ عدد الأسر النازحة في مركز الإيواء هذا 47 أسرة، جاءت نازحة من منطقة “البعرارة”، في مدينة تعز. هذه الأُسر هي، أيضاً، من فئة ما يُعرف بـ “المهمشين”، يبلغ عدد أفرادها 267 نسمة؛ عدد الرجال 41، والنساء 47، والأولاد الذكور 80 نسمة، والبنات القاصرات 99 فتاة، وعدد النساء الأرامل ست نساء، وامرأة واحدة مطلقة، وعدد المعاقين 2، وحالة نفسية واحدة بين الذكور، والنساء ثلاث.
معظم النساء، والأطفال، في مخيم النزوح هذا، يقومون بمهنة التسول في الأسواق، ويتعرضن المتسولات إلى التحرش اللفظي. ووجدنا في المخيم حالتين بين كبار السن بحاجة إلى رعاية واهتمام.
مركز إيواء مدرسة الهدى في “دُبَع الخارج”
هناك 66 نازحاً ونازحة في هذا المخيم: 11 رجلاً، 11 امرأة، والبقية أطفال ذكور وإناث. وفي هذا المخيم هناك ثلاثة رجال، وتسع نساء، بدون وثائق هوية ثبوتية، وتسعة أطفال ذكور، وسبع طفلات، بدون شهادات ميلاد. عدد الأرامل 3 نساء، وهناك امرأة معاقة، وأخرى مسنة، وامرأة متخلفة عقلياً، وهناك ثلاثة من كبار السن. يسكن هؤلاء النازحون في الفصول الدراسية الخاصة بالمدرسة. ومازالت العملية التعليمية متوقفة في هذه المدرسة.
“مخيم الزريبة” في “دُبَع الخارج”
يعتبر هذا المخيم متنقلاً، وعدد الأسر فيه ثلاث، تسكن في ثلاث خيام قُدِّمت هدية من (CHR)، وهي الآن متهالكة، ومهترئة، بفعل عوامل التعرية المختلفة. يبلغ عدد الأفراد في هذا المخيم 20 نسمة، وعدد الرجال ثلاثة، والنساء ثلاث، والأولاد الذكور تسعة، والبنات الصغار خمس. هناك امرأتان بدون بطاقات إثبات هوية.
وتوجد خارج هذا المخيم عشر أسر أخرى نازحة من الحديدة، مستضافة في “دِيَم” (مباني صغيرة) لا تصلح للحيوانات، وهي مستعارة من المجتمع المحلي.
“مخيم سوق النصر” في “دُبَع الداخل”
عدد الأسر النازحة في هذا المخيم، من مدينة تعز، 41 أسرة: الذكور 41، والإناث 41. وعدد الأفراد في هذا المخيم 210 نسمة: عدد الأولاد الذكور 83، والبنات 45، تحت سن 17 عاماً. هناك امرأتان مطلقتان، أما ربات الأسر بدون عائل فعددهن أربع نساء، والأرامل ثلاث، والمطلقات ثلاث، وخمسة ذكور مسنين، وخمس كبيرات في السن بحاجة إلى الرعاية الصحية. ويرتاد الأطفال، والنساء، الأسواق بهدف التسول. واستهدفت منظمة الهجرة الدولية هذا المخيم بـ 35 خيمة.
“مخيم قرية الدار الجديد” في “دُبَع الداخل”
عدد الأسر النازحة في هذا المخيم، من “الكدحة” و”الوازعية”، 88 أسرة، وبلغ إجمالي الأفراد 561 نسمة؛ منهم 82 رجلاً، و77 امرأة، و12 أرملة. وهناك رجل واحد معاق حركياً، إضافة إلى رجل مصاب بحالة نفسية، بسبب الحرب. وبلغ عدد الأطفال الذكور 183، والإناث 204 نسمة.
المأوى هنا عبارة عن خيام متهالكة تقادم عهدها منذ بداية النزوح عام 2015 م، وتحتاج إلى دورات مياه، وماء، وغذاء، ودواء، وطعام، وإدارة للمخيم، وحل مشاكلهم مع المجتمع المضيف، كما أن الأطفال حرموا من التعليم، والنساء حرمن من الرعاية الصحية والإنجابية، وتتم الولادات في الخيام بطرق تقليدية.
أهم الاحتياجات
يحتاج النازحون إلى مأوى وغذاء، ودواء، والفرش، والبطانيات والملابس الصوفية في موسم البرد، كما يتعرضون للأمراض المختلفة، ولا يستطيعون إسعاف الأطفال والنساء لأقرب مرفق صحي؛ نتيجة شحة الإمكانات المالية، وهم بحاجة إلى الضوء والوقود، وأدوات الكرامة للنساء، وسبل العيش الكريمة، ومراكز للدعم النفسي، كما أن الأطفال في القرى النائية البعيدة لا يذهبون إلى المدارس بسبب البعد، وعدم قدرة الآباء على تعليم أطفالهم.
إن النزوح وما رافقه من تشرد وآلام نفسية، وتفشي الفقر بين النازحين وسكان المناطق التي وصلوا إليها، فالكل تحت خط الفقر، مع غياب الخدمات والبنى التحية لمعظم المناطق الريفية، سبب آثاراً اقتصادية واجتماعية، وصحية، وتعليمية سيئة على الجميع في المناطق التي نزحوا إليها، وهناك حالات فقد بين أهاليهم وفي الممتلكات، والمنازل، إضافة لتعرض العديد للضغوط النفسية، لذا فأنهم يفتقدون حالياً إلى العناية الصحية والنفسية والطبية، وفرص عمل للغالبية العظمى من النازحين، وكذا يفتقرون لأدنى مستويات الأمن الغذائي، والعيش الكريم.
عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 12 فبراير 2020، العدد 1178.



