ما تبقى من المستشفى

-
وحدة الغسيل الكلوي هي ما تبقى من المستشفى، لأن المستشفيات الخاصة بحزب الإصلاح لا تمتلك وحدات مشابهة
-
معلومات: موازنة المركز ومستشفى الثورة ينهبها نافذون، ومليشيات “الإصلاح”
-
انطفاء الكهرباء يُأخر جلسات الغسيل لمرضى الفشل الكلوي، ويزيد من آلامهم ومعاناتهم
-
لا يوجد في المدينة إلا مركز الغسيل هذا، ومركز غسيل آخر في مستشفى الجمهوري
-
أحد المرضى: في مركز غسيل الجمهوري، يتم أخذ مبالغ مالية مِنَّا، رغم أن المركز مدعوم من الهلال الأحمر القطري
-
مريض آخر: أقطع 18 ساعة سفر أسبوعياً قادماً من شرعب إلى المدينة عشان جلستي غسيل للفشل الكلوي
رئيس قسم الكلى:
-
القسم لديه أكثر من 300 مريض فشل كلوي مسجلين، ويستقبل يومياً من 80 إلى 88 مريضاً
-
وضع المركز شبه مستقر حالياً، وهناك صعوبات في توفير مادة الديزل
-
معظم المرضى من خارج المدينة، لهذا حاولنا توفير سكن خيري لهم، لكنه لا يستوعب إلا 30 حالة فقط
-
بسبب انقطاع الدعم، واختفاء الموازنة التشغيلية، لم نستطع الالتزام بتوفير علاجات المرضى
-
مستمرون في تقديم خدمتنا للمرضى بفضل دعم المنظمات الدولية وفاعلي الخير
-
السلطة المحلية غائبة، ولا تكترث للوضع الكارثي في تعز، لأنها مشغولة بالعوائد المادية التي تحصل عليها
تعز- “الشارع”- تقرير خاص:
العيش بكلية واحدة، تهديد محتمل للحياة. أما الفشل الكلوي، فهو بمثابة اقتراب سريع من الموت. الفشل الكلوي يُفقد المصابين به الراحة، ويجعلهم تحت رحمة ألم مستمر، لاسيما خلال عمليات غسيل الكلى، التي يخضعون لها أسبوعياً، أو كل يومين في الأسبوع. لكن الأشد ألماً من ذلك هو عدم الحصول على الغسيل، أو قطع مسافات طويلة للحصول عليه، كما هو الحاصل لمرضى الفشل الكلوي في مدينة تعز.
الحرب ألقت بصعوبات كبيرة على حياة الناس في تعز. تضاعفت صعوبات الحياة بفعل الحصار المفروض على المدينة منذ سنوات. ذلك أدى، بين ما أدى، إلى غياب دور المعنيين في مكتب الصحة، وازدياد معاناة مرضى الفشل الكلوي في تعز، خصوصاً أبناء الريف غير القادرين على الوصول إلى مركز الغسيل إلا بقطع ساعات طويلة من السفر عبر طرقات وعرة.
…
“الشارع”، في جولتها داخل مستشفى الثورة العام في تعز، زارت وحدة الغسيل الكلوي لمعرفة ما يحدث للمرضى، وكيف يجري العمل فيها. مازال هذا الجزء من المستشفى يضج بالازدحام، لأنه لا يوجد في تعز إلا هذا المركز ومركز آخر لغسيل الفشل الكلوي. حزب الإصلاح، لم يُغلق هذه الوحدة لأن المستشفيات الخاصة التابعة له، ولقيادات فيه، ليس فيها وحدات لغسيل الفشل الكلوي.
خارج وحدة الغسيل، يجلس مواطنون كثر، منهم من ينتظر انتهاء جلسة غسيل لأحد أقربائه، ومنهم مرضى أنهوا جلسات غسيل وينتظرون مرافقيهم ليعودوا بهم إلى منازلهم التي قد تكون في قرى ريفية بعيدة. جلسة الغسيل تستغرق 4 ساعات، أو أكثر، وربما أقل من ذلك، لذوي الفشل الحديث.
بنبرة حزن وعيون ممتلئة بالدموع، أعربت رملة محمد عن مدى تخوفها من فقدان طفلتها “شَهْد” ذي الخمس السنوات، التي استقبلتها الحياة بهذا المرض اللعين، وصارت تذهب مرتين في الأسبوع لعمل جلستي غسيل للكلى.
وتابعت والدة “شَهْد”، في حديثها مع “الشارع”: “أتابع علاج ابنتي أسبوعياً، وأتكبد أتعاب وخسائر، وانتظار دائم، وعراقيل مستمرة في المستشفى، لكن السفر من بني حَمَّاد إلى هنا هو الهم الأكبر بالنسبة لي”.
وتضيف، بنبرة أكثر حزناً: “بسبب التعب في السفر، والخسارة، اضطررت إلى استئجار دكان لي ولبنتي في حوض الأشراف، وتركت منزلي في القرية.. زوجي مات، وما معي إلا الله، ومساعدات بعض الأقرباء والأهل”.
على الجانب الآخر، من حديقة المستشفى، تجلس مريم (45 عاماً)، في انتظار زوجها، حتى يتم الانتهاء من إجراء جلسة الغسيل له، والتي تستمر نحو 4 ساعات. منذ خمس سنوات ومريم تأتي مع زوجها إلى هنا، وتظل تنتظره في الحديقة حتى يتم الانتهاء من إجراء جلسة الغسيل له. لم تشتكِ يوماً من التعب، ولم يستسلم هو للموت. إنها قصة وفاء، وتشبث قوي بالحياة.
تروي مريم، بحزن، بداية رحلتها وزوجها (45 عاماً)، قبل خمس سنوات، مع هذا المرض، والالتزام الأسبوعي بإجراء جلسات الغسيل للكلى؛ تقول: “صحيح أننا نعاني، لكن المعرقل لنا هو حدوث خلل في الأجهزة، أو لما يقولوا لنا: خلصت المشتقات النفطية والديزل، وانطفاء الكهرباء بشكل مستمر”.
وبسبب انطفاء الكهرباء، تتأخر جلسات الغسيل لزوج مريم، والمرضى الآخرين وهم كُثُر، الأمر الذي يهدد حياتهم بالموت، لأن السموم تبقى في الجسم فيتورم المريض، ويتعرض إلى صعوبة في التنفس، وغيرها من المضاعفات الكثيرة، التي تؤدي إلى الوفاة، بحسب حديث المرضى والأطباء في مركز الغسيل الكلوي.
…
ونتيجة لحدوث الإشكاليات في قسم الغسيل الكلوي في مستشفى الثورة في تعز، يضطر أغلب المرضى الذهاب إلى المستشفى الجمهوري، إذ لا يوجد في المدينة إلا مركزي غسيل كلوي في هذين المستشفيين الحكوميين. وهناك يبدأ المريض رحلة جديدة مع المعاناة.
يقول أحد المرضى لـ “الشارع”: “في مركز الغسيل في المستشفى الجمهوري، يتم أخذ مبالغ مالية مِنَّا، رغم أن قسم الغسيل هذا مدعوم من الهلال الأحمر القطري، وإضافة إلى ذلك يتم تأخيرنا إلى الفترة المسائية، بمبرر الأولوية لمرضاهم، ومع ذلك يحصل كل واحد مِنَّا على جلسة غسيل تستمر ساعتين فقط، أي نصف المدة المقررة لكل مريض بالفشل الكلوي، وهذا يعني بقاء نصف السموم في أجسادنا”.
المصاب بالفشل الكلوي هو رفيق دائم للألم والمعاناة. يضطر أغلب المصابين بهذا المرض إلى بيع كثير من ممتلكاتهم، كي ينتظمون في جلسات الغسيل. وبالضرورة، يصبح أغلبهم أكثر فقراً، وعاطلين عن العمل. قال لـ “الشارع” سعيد أحمد، أحد المرضى: “الفشل الكلوي لا يسبب آلام ومشاكل جسدية فقط، بل نفسية، وأكثر منها مادية”.
يضيف سعيد: “أقطع طريق الأقروض مرتين في الأسبوع، قادماً من شرعب، 9 ساعات سفر، عشان جلسة الغسيل هذه. يعني في الأسبوع أسافر 18 ساعة عشان الجلستين”. يصدر نُهدَة عميقة، ثم يضيف: “خسرت كل ما معي، وتعطلت عن عملي بسبب هذا المرض”.
يستطرد: “مريض الفشل الكلوي، مثل السمك إذا خرج من الماء توفى، ولذا أنا مجبر على الدوام إجراء الغسيل مرتين في الأسبوع، وإذا ما عملت الغسيل با أموت”.
…
يستقبل مركز الغسيل الكلوي التابع لمستشفى الثورة العام 70 إلى 80 حالة يومياً بحسب حديث أطباء فيه. وفي أوقات كثيرة يعتذر عن استقبال حالات جديدة.
يقول فهمي الحناني، رئيس قسم الكلى في مستشفى الثورة لـ “الشارع”: “القسم لديه أكثر من 300 مريض فشل كلوي مسجل، ويستقبل يومياً من 80 إلى 88 مريضاً، حيث الوضع يعتبر شبه مستقر في المركز، لتوفر العلاجات الخاصة والمستلزمات، لكن هناك بعض الصعوبات في توفير مادة الديزل، أما معظم المواد العلاجية واحتياجات المركز نحصل عليها من داعمين”.
أضاف: “مشكلة المرضى تكمن في عدم وصولهم في المواعيد المحددة، وذلك بسبب المسافات الطويلة التي يقطعونها للوصول إلى المركز، إضافة إلى حدوث بعض العراقيل مثل قطع الطرقات أحياناً، فمعظم مرضى الفشل هم من خارج مدينة تعز. وبسبب هذه الصعوبات، حاولنا، مؤخراً، توفير سكن خيري للمرضى، لكن عدد الحالات كثيرة، والسكن لا يكفي، إذ يستوعب 30حالة فقط”.
يقول “الحناني”: “مركز الكلى هو تابع لهيئة مستشفى الثورة وليس بمستقل.. لكن مع انقطاع الدعم عن المركز، واختفاء الموازنة التشغيلية، لم نستطع الالتزام بتوفير العلاجات والأشياء الخدمية للمرضى.. هذا جعلنا نناشد كافة المنظمات الدولية وفاعلي الخير لتقديم الدعم كي نستمر في تقديم خدمتنا للمرضى دون توقف.. بحثنا يقتصر عن داعم يوفر المياه والديزل، والحاجات الضرورية للمريض، أما مواد الغسيل الكلوي فنحصل عليها من مركز الملك سلمان. في المقابل، ظل الكادر، والقائم بأعمال مركز الغسيل الكلوي، يعمل لأكثر من أربع سنوات دون أي مقابل”.
وعن دور السلطة المحلية، أكد “الحناني”: “السلطة غائبة، ولا تكترث للوضع الكارثي في تعز، بل تظل مشغولة بنفسها وبالعائد المادي الذي ستحصل أو تحصل عليه، لذلك هي لم تقدم أي شيء لمرضى الفشل الكلوي.. لكن نحن من نبذل جهودنا في البحث والمتابعة والحصول على دعم من داعمين، فالمريض بالفشل الكلوي لا يحتمل البقاء دون غسيل، لذا نوجه نداءنا للحكومة الشرعية بإعادة النظر في دعم هذا المركز للتخفيف من معاناة مرضى الفشل الكلوي”.
“الشارع”، حصلت على معلومات تفيد أن مركز الغسيل الكلوي هذا لديه ميزانية مخصصة ضمن الميزانية التشغيلية التي تُقَدِّمها الحكومة لمستشفى الثورة العام، لكن الموازنة يتم نهبها من قبل نافذين، والمليشيات المسلحة التي تسيطر على المستشفى.. والجميع يتبع حزب الإصلاح.
عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 26 ديسمبر 2019، العدد 1137.



