رصيف

“كورونا” يُضاعف معاناة النازحين في ريف تعز الجنوبي، بعد أن فرضت المجتمعات المضيفة قيوداً عليهم

تعز- التربة- “الشارع”:

يعيش النازحون ظروفاً صعبة، بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات. ومع ظهور فيروس كورونا، ومخاطر تفشيه في اليمن، صارت معاناة النازحين مركبة: حياة صعبة، وانتظار أعزل للفيروس القاتل. الفيروس يهدد كل الناس، لكن المخاطر أكبر على النازحين، لأن إمكانية انتشاره بينهم أكبر، بسبب عيشهم في مساحات ضيقة، فخيام، وأماكن النزوح، تزدحم بأعداد كبيرة منهم. وإلى هذا، فقدرتهم على مواجهة الفيروس محدودة، ما يعني أن مخاطر الموت كبيرة بالنسبة لهم.

المخيمات في خطر

وضع النازحين في المخيمات خطير، فالخيمة الواحدة يسكنها من ثمانية إلى عشرة أفراد، مع انعدام الماء الصالح للشرب، والنظافة، والمطهرات، وأدوات التعقيم، في مخيمات النازحين. وتعاني المخيمات، أيضاً، من نقص حاد في الحمامات، وإن وجدت فالحمام الواحد لعشرة أفراد؛ مع غياب الخصوصية. وكل ذلك يجعل مخيمات النازحين في خطر.

وبظهور فيروس كورونا عالمياً لم تتخذ السلطات اليمنية بشكل عام، والسلطات المحلية في محافظة تعز بشكل خاص، أي إجراءات جادة لمنع دخول فيروس كورونا إلى اليمن، أو الحد من تفشيه في البلاد. وبالنسبة للنازحين، لا يُطبَّق حظر التجوال في مخيماتهم، ولم يتم تزويدهم بالغذاء والدواء اللازم، والتوعية المطلوبة بمخاطر “كورونا”. وهذا يجعل النازحين ومخيماتهم في خطر حقيقي، في ظل مخاوف واسعة من تفشي فيروس كورونا في اليمن.

وليس سراً أن المجتمعات المحلية المضيفة للنازحين، تعاني وضعاً اقتصادياً صعباً للغاية، وزاد هذا الوضع تدهوراً هذه الأيام، بسبب ارتفاع أسعار المواد التموينية والغذائية.

بشكل أكبر من معاناة المجتمع المضيف، يُعاني النازحين نقصاً حاداً في الغذاء. يلجأ بعض النازحين للخروج إلى الأسواق للعمل في مجال الحمل والنقل والتفريغ مع التجار، وامتهان حرف يدوية كمسح وتنظيف السيارات، والعمل مع المزارعين المحليين في الزراعة؛ لا سيما في زراعة الخضراوات، وقطف القات.

تغيُّر الوضع: المجتمعات المحلية تفرض قيوداً على النازحين

أم نازحة وطفلتها في أمام خيمتهما في مخيم البيرين مديرية المعافر

التقت “الشارع” عدداً من النازحين، في بعض مخيمات الإيواء في “الحُجَرِية” (ريف تعز الجنوبي)، وسألتهم عن المشاكل التي يعانون منها، والصعوبات التي تواجه حياتهم, وقد قال هؤلاء إنهم لم يكونوا يعانون من أي قيود مفروضة على حرية حركتهم، أو تحد منها، في المجتمعات المحلية المضيفة لهم.

وأفادوا أنهم كانوا يعيشون حياة طبيعية في مخيمات النزوح الواقعة في “الشمايتين”، و”المعافر”، و”جبل حبشي”، و”المسراخ” في “صَبِر”. لكن الوضع تغير اليوم؛ فهناك “شحن مجتمعي” يقوم به “البعض” لتوتير العلاقة بين المجتمع المضيف، والنازحين. وغير ذلك، صار النازحون يعانون من مضايقات، وقيود حَدَّت من حركتهم في المجتمعات المضيفة.

فقر المجتمع المحلي (المجتمع المضيف)، جعل عدداً من أفراد هذا المجتمع يطالبون بتسليمهم مساعدات عينية ونقدية من المنظمات الدولية، أسوة بالنازحين، رغم شحة المساعدات. وتخصيص المساعدات للنازحين، بشكل رئيسي، أدى إلى بروز توتر في علاقة هؤلاء بالمجتمعات المحلية التي نزحوا إليها في ريف تعز الجنوبي. وبات بعض أفراد المجتمعات المحلية يُضَيِّق الخناق على النازحين؛ عبر أساليب ومبررات عدة، منها منع هؤلاء (النازحين) من الاحتطاب من الجبال، وجلب المياه من الآبار العامة!

الخوف من “كورونا” يزيد من نبذ النازحين

أطفال داخل مخيم الملكة في المعافر

بعد الإعلان عن أول إصابة مؤكدة بفيروس كورونا في مدينة الشحر، شرق اليمن، زاد خوف الناس من هذا الوباء القاتل إلى الريف الجنوبي لتعز. وأدى ذلك إلى زيادة نبذ المجتمع المضيف للنازحين في “الحجرية”، خوفاً من وصول الوباء إلى المناطق التي يتواجد فيها النازحون. وسيزداد النبذ الاجتماعي للنازحين عند الاشتباه بإصابة أحدهم بـ “كورونا”، أو إصابة أحدهم بشكل فعلي بهذا الفيروس القاتل.

وزاد من عملية نبذ النازحين، وتضييق الحصار عليهم، غياب الدولة، وعدم تقديمها لأبسط الخدمات الأساسية للنازحين والمجتمعات المحلية المضيفة لهم بشكل عام.

قيود على حركتهم، واتساع الهوة بينهم وبين المجتمعات المحلية المضيفة

نازحين مستضافين في بيوت الأهالي في منطقة البيرين مديرية المعافر

خلال الفترة الماضية، واجه النازحون في ريف تعز الجنوبي قيوداً قيدت حركتهم، وزادت الهوة اتساعاً بينهم وبين المجتمعات المحلية المضيفة لهم. هناك مخاوف من تفشي “كورونا” واتساعه داخل هذه المجتمعات المحلية، بسبب النازحين الذين يعيشون في خيام مزدحمة غير صالحة للسكن الآدمي، وبعض الأسر منهم تعيش في خيمة واحدة رغم العدد غير القليل لأفرادها!

النازحون هم الضحايا الحقيقيون للحرب، وتأمين حياة إنسانية لائقة لهم، وحمايتهم من المضايقات التي يتعرضون لها من بعض أفراد المجتمعات المحلية المضيفة لهم.

وهناك من يخشى تطبيق الحجر الصحي على النازحين من المخيمات، والمنازل التي يستأجرها بعضهم، كون ذلك سيعرض عدداً من النازحين للطرد من المنازل التي يسكنونها بالإيجار، لأن الحجر والعزل الصحي سيجعل النازحين دون دخل مالي، إذ سيفرض عليهم البقاء في منازلهم. وذلك سيعرض حياة الأسر النازحة، بشكل عام، للخطر، لأنها لن تجد ما تأكل؛ فأفرادها الذكور يقومون في المجتمعات المحلية المضيفة بأعمال أبقت أسرهم على قيد الحياة. وتزيد المخاوف بين كبار السن والأطفال والنساء الحوامل وأرباب الأمراض المزمنة.

حتى اليوم لا يوجد أجهزة ومحاليل وكوادر متخصصة لكشف فيروس كورونا في محافظة تعز، ولا يوجد المال الكافي عند غالبية السكان للسفر إلى عدن أو صنعاء أو حضرموت لإجراء فحص اختبار “كورونا”، إضافة إلى أن هناك صعوبات حقيقة قيدت حركة جميع اليمنيين، لا سيما المخاطر الأمنية والعنصرية المترتبة عن السفر إلى عدن والمحافظات الجنوبية بشكل عام.

المخاطر المحتملة

إن الأوضاع الإنسانية في مخيمات النازحين تثير الرعب في حال وصل إليها فيروس كورونا. النازحون في هذه المخيمات يعيشون أوضاعاً مأساوية صعبة، ويحتاجون، في وضعهم الحالي، إلى أشياء كثيرة توفر لهم الحد الأدنى من الحياة الآمنة والكريمة. وفي حال وصل إليهم الفيروس القاتل، سيزداد وضعهم سوءاً وستتسع الهوة بينهم وبين المجتمع المحلي المضيف، وسترتفع حدة القيود المفروضة عليهم، وستزيد عملية النبذ الاجتماعي لهم.

فإلى جانب عدم كفاية المساعدات الغذائية التي يحصل عليها النازحون، فالمخيمات المقامة لهم في المناطق الريفية تزدحم بمئات الأسر، وتفتقر لأبسط الخدمات؛ تفتقر للصرف الصحي، والعناية الطبية، والنظافة؛ ما يجعل هذه المخيمات بيئة حاضنة للأوبئة، والأمراض المعدية، وسط عجز السلطات المحلية الواضح، وضعف المساعدات المقدمة من المنظمات الدولية. بشكل عام يفتقر النازحون للمواد الغذائية اللازمة.

عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 20 أبريل 2020، العدد 1228.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى