تقارير

  نجاح الحكومة مرهون بقدرتها على انتشال الاقتصاد المتهاوي وتثبيت الأمن

  • على الحكومة أن تعمل على بلورة رؤية اقتصادية سياسية من أجل إعادة التعافي الاقتصادي في المناطق المحررة

  • تثبيت التوافق السياسي خطوة مهمة لمعالجة المشكلات الاقتصادية

  • على الحكومة تعزيز البنك المركزي وحماية العملة من الانهيار وصرف الرواتب بانتظام

  • لابد أن تسعى الحكومة لتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي وفقاً لشروط الدولة وليس لشروط المليشيات

“الشرق الأوسط”:

تنتظر الحكومة الجديدة برئاسة معين عبدالملك، الكثير من التحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، غير أن أهم التحديات التي تواجهها الحكومة هو الوضع الاقتصادي المنهار الذي يعاني منه اليمنيون.

ويرى الكثير من السياسيين والاقتصاديين أن الانقلاب الحوثي، بالإضافة إلى ضعف أداء الحكومات اليمنية خلال المرحلة السابقة، أدى إلى انهيار الوضع الاقتصادي، الذي يحتاج إلى عملية إنقاذ عاجلة.

وأكد سياسيون واقتصاديون يمنيون لـ “الشرق الأوسط” أن نجاح الحكومة الجديدة سيكون مرهوناً بمدى قدرتها على انتشال الاقتصاد المتهاوي، وتثبيت دعائم الأمن في المناطق المحررة، وتجاوز الصراعات الحزبية، والعمل وفق الأسس الإدارية والمالية الصحيحة.

بلورة رؤية لإنقاذ الاقتصاد والتحكم بالسياسة النقدية

وقال رئيس مركز الإعلام الاقتصادي اليمني مصطفى نصر إن ” أهم التحديات العاجلة التي تواجهها الحكومة يتمثل في تحدي سعر الصرف، والحفاظ على العملة”.

وأضاف نصر، في حديثه لـ”الشرق الأوسط”: أن “الحكومة أمام تحدي إعادة السعر إلى وضعه الطبيعي ما قبل الارتفاع الأخير لكي تستطيع أن تتحكم بالسياسة النقدية”.

وأشار إلى وجود أولويات أخرى “تتعلق بحشد موارد النقد الأجنبي، كاستئناف تصدير النفط والغاز، وتفعيل الصادرات، وتنظيم قنوات الدعم والمساعدات الخارجية للبدء في إعادة التعافي الاقتصادي للمناطق التي تسيطر عليها الحكومة”.

وأكد نصر على ضرورة بلورة “رؤية اقتصادية سياسية مالية تعمل على تقليص عجز الموازنة، والبحث عن مصادر غير تضخمية للإنفاق”.

بدوره أشار الخبير الاقتصادي عبد الحميد المساجدي إلى أن على الحكومة الجديدة معالجة الأوضاع المتفاقمة التي مست اليمنيين في مناطق سيطرة الشرعية، سواء كانت خدمية أو اقتصادية.

وقال المساجدي، لـ”الشرق الأوسط” إن “هناك الكثير من الملفات في غاية الأهمية تنتظر الحكومة وتتمثل في تثبيت سعر صرف العملة أمام العملات الأجنبية، من خلال تفعيل البنك المركزي، وتعزيز قدرته على إدارة السياسة النقدية، ورفع كفاءة الحكومة في جباية الإيرادات بمختلف أوعيتها الضريبية والجمركية والنفطية والغازية، وتوريدها جميعاً إلى الحسابات الخاصة بها في البنك المركزي، بما يضمن تمويل موازنة الدولة من مصادر غير تضخمية، وعدم اللجوء إلى طبع مزيد من العملة، ناهيك عن ضرورة ربط جميع فروع البنك المركزي بالمركز الرئيسي في عدن”.

وأوضح المساجدي أن “اليمنيين يأملون في أن تلبي الحكومة الجديدة تطلعاتهم، والبداية ينبغي أن تكون من تحسين الخدمات، كالكهرباء والتوقف عن شراء الكهرباء والاعتماد على التوليد، واستكمال بناء وتشغيل محطات كهرباء عدن ومأرب بمرحلتيها الأولى والثانية لأن الطاقة الكهربائية المشتراه تكلف خزينة الدولة أموالاً كثيرة بالعملة الصعبة، ما يزيد من الضغوط على العملة المحلية”.

ومن بين أولويات عمل الحكومة، بحسب المساجدي ضرورة “طمأنة الشركات النفطية لاستئناف التصدير بالطاقة الكاملة لرفد خزينة الدولة بالنقد الأجنبي الكافي لمواجهة التزامات الحكومة، إضافة إلى تنشيط عمل الموانئ، بالتوازي مع وضع حلول صارمة تكفل عدم عبث الجماعة الحوثية بالاقتصاد أو العملة، وحسم ملف واردات موانئ الحديدة لمصلحة رواتب الموظفين”.

تثبيت التوافق السياسي

أما الكاتب الأكاديمي فارس البيل، يرى أن أهم التحديات أمام الحكومة، “تأطير حالة التوافق السياسي، وتتويجه بتوافق حقيقي في الأداء والعمل على الأرض، بحيث يعكس هذا التوافق إنجازات حقيقية على المستويين السياسي والاقتصادي”.

وقال البيل لـ”الشرق الأوسط”: “إذا تمكنت الحكومة من الحفاظ على هذا النسق، واستطاعت جمع هذه الرؤى السياسية واستغلالها في أدائها، يمكن الحديث عن إنجازات ملموسة”.

وأوضح الدكتور البيل أن “هذا التوافق سيكون القاعدة التي ترتكز عليها الحكومة وتستند عليه في أعمالها، وسيهيئ لها مناقشة وحل المشكلات الاقتصادية والإدارية والخدمية بشكل مهني، بعيداً عن حالة التشظي والنزاعات السابقة”.

وأشار إلى أنه إذا استطاعت الحكومة الحفاظ على الحالة التوافقية يمكنها أن تنطلق في الملفات الأهم بالنسبة للناس الذين يعانون بشكل مر.

وأكد البيل إلى ضرورة “حماية العملة من الانهيار، وتدعيم عمل البنك المركزي، حيث يأتي معها ضرورة صرف الرواتب لكل الموظفين بكل المناطق بانتظام، وبلا استثناءات، ثم العمل على الخدمات الأساسية في المناطق المحررة، وتطبيع الحياة الاقتصادية والخدمية، والاشتغال على مشكلات الناس الملحة أولاً بأول”.

وبالتوازي مع الملفات الاقتصادية والخدمية، يرى البيل أنه «ينبغي السير في عملية توحيد القرار الأمني والعسكري في كل المناطق، فإذا استطاعت الحكومة توحيد الجبهات والأداء، والتحكم في الميدان، سينعكس ذلك على كل الدوائر الإدارية، وحتى على المشهد السياسي، وسيحدث هذا الاختراق في العمل، والنجاح في المستويين الاقتصادي والعسكري، نجاحات متوالية على مستوى إنعاش الحالة النفسية والمعنوية للناس والساسة، وسينتقل الجميع إلى معركة استعادة الدولة وهزيمة الانقلاب»، بحسب تعبيره.

ويعتقد البيل أن «أي اختلالات في هذه العملية برمتها، في أي مرحلة من مراحلها، ستعد انتكاسة لهدف استعادة الدولة، وإنقاذ حياة الناس الذين يعيشون أسوأ الظروف».

تحقيق الاستقرار الأمني

وفي السياق ذاته، يرى رئيس منظمة «تمكين» للتنمية وحقوق الإنسان عضو الهيئة الاستشارية لوزارة حقوق الإنسان اليمنية، مراد الغاراتي، أنه ينبغي للحكومة «أن تكون حكومة وحدة وطنية أولاً، بعيداً عن مسألة الاستحقاقات السياسية، والعمل من داخل البلد بالقرب من الناس، وأن تعمل في الإطار المؤسسي للدولة، فضلاً عن رؤيتها للجميع بمقومات المواطنة».

ويشدد الغاراتي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أهمية «عمل الحكومة بعيداً عن الارتهان إلى المؤثرات من خارجها، بما يحقق التضامن السياسي والإنساني، وصولاً إلى وضع المعايير والاستحقاقات اللازمة التي تعيدها إلى مصاف المجتمع الدولي بفاعلية».

ومن ناحية أخرى، يرى الغاراتي أن على الحكومة «أن تسير باتجاه تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي وملف السلام وفقاً لشروط الدولة، وليس لشروط المليشيات». كما لا ينسى تأكيد أن «الاقتصاد هو رافعة السياسة»، ويضيف: «لا بد من ضبط الوضع الاقتصادي لأن تحسينه سيعمل على تحسين الملف السياسي، بل والتفاف المواطنين حول الحكومة».

ومن جهته، يجزم الكاتب السياسي اليمني عبد الملك اليوسفي بأن «التحديات التي تواجهها الحكومة اليمنية الجديدة كبيرة، والاستحقاقات المترتبة على الحكومة أكبر».

ويقول اليوسفي لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة تواجه تركة ثقيلة من الإخفاقات والتدمير الممنهج للدولة نتيجة الانقلاب الحوثي، والتعقيدات التي تلته، في ظل تطلعات كبيرة من الشعب، وفي ظل حاجه ملحة لبناء النموذج المشرف للدولة في المناطق المحررة، كرافعة مهمة لإسناد معركة التحرير».

وعلى غرار سابقيه، يرى اليوسفي أن «المجال الاقتصادي والخدمات يواجه إشكالات كبيرة»، ما يتطلب «إيقاف تدهور العملة، وتحسين الخدمات، بصفتها أموراً ملحة في أجندة الحكومة».

وفي حين يشدد اليوسفي على «الإصلاح المؤسسي لهياكل الدولة، ومكافحة الفساد، بصفتها كذلك أموراً ملحة»، يعتقد أن إصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية من الأولويات. كما يقترح أن تقوم الحكومة بـ«تفعيل خدمة الدفاع الوطني، وحشد إمكانيات الدولة والمجتمع لإسناد معركة التحرير».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى