تقارير

السقاية.. تقنية خزن مياه الأمطار في الريف اليمني

  • “السقاية” خزانات تقليدية لحفظ المياه عرفتها اليمن منذ القدم ولازال سكان الريف اليمني في العصر الحديث يعتمدون عليها لتجميع وخزن مياه الأمطار

  • تعتبر “السقاية” المصدر الوحيد لمياه الشرب والطبخ والاستهلاك المنزلي بالإضافة لري المزروعات

حلم أخضر- تقرير: سماح الجعراني:

تاريخياً، اعتمدت الحضارة اليمنية القديمة في نشوئها وازدهارها على ابتكار وإدارة المنشآت المائية لغرض الزراعة، إذ استطاعت حضارة سبأ وحمير ومعين وقتبان وغيرها، استغلال الظروف البيئية، وتطويع الطبيعة بطرق مستدامة.

فمنذ قبل الميلاد، اشتهرت اليمن بامتلاكها سد مأرب العظيم، باعتباره إحدى العجائب الهندسية في العالم القديم، وأحد أقدم السدود المائية في العصور الغابرة.

تشير إحدى المصادر، أن سد مأرب القديم كان يروي مساحة تصل لقرابة 98,000 كيلومتر مربع من الأراضي والحقول الزراعية في وسط الصحراء بمدينة مأرب القديمة، التي كانت أكبر مدينة في جنوب الجزيرة العربية القديمة.

لقد اشتهر قدامى اليمنيين، بكونهم مهندسي السدود وخزانات المياه في العالم القديم، ونسبت إليهم الكثير من أدوات وتقنيات الري الزراعي، وأحواض تخزين الماء وهندسة الجسور والسدود، ومد قنوات الري، ورفع الماء إلى المدرجات الزراعية، وهي الحقول المعلقة والمتدرجة في الجبال.

وفقاً لمقالة بحثية، لم يبرع اليمنيون في بناء السدود وقنوات الري فحسب، بل كانوا سادة الماء في شبة الجزيرة العربية، فإلى جانب براعتهم وخبرتهم في بناء السدود الضخمة، وحجز ملايين الأمتار المكعبة من المياه خلفها، فقد برع اليمنيون كذلك في بناء الصهاريج والأحواض المائية العملاقة، ومدوا قنوات لنقل وتوصيل المياه إلى المناطق المرتفعة التي تعاني شُحاً في المياه. كما ابتكروا طرقاً وأنظمة ري – كانت آنذاك – تعد غاية في التطور.

شحة المياه في اليمن

تقع اليمن في جنوب غرب الجزيرة العربية، وتعرف بظروف مناخ جاف إلى شبة جاف، حيث يبلغ المعدل السنوي للأمطار167 ملم، بحجم كلي يصل إلى نحو 88.329 كلم مكعب/سنة. لكن 3% فقط من هذه المياه تتحول إلى جريان مائي سطحي.

في الوقت الراهن، يعد اليمن واحداً من أفقر البلدان بشحة المياه في العالم. يبلغ نصيب الفرد من المياه المتاحة 85 متراً مكعباً، وهي أدنى بكثير من حد ندرة المياه المعترف به، الذي يبلغ 1000 متر مكعب.237

وتشير البيانات المائية، إلى أن اليمن يعتمد بشكل شبه كامل على المياه الجوفية، ووفقاً لدراسات عدة فإن معدل إعادة التغذية أقل بكثير من معدل الاستنزاف. ويزيد من تفاقم هذا الوضع النمو السكاني السريع وارتفاع الكثافة السكانية في المراكز الحضرية.

ونتيجة لذلك، تعاني اليمن في الوقت الحاضر من نضوب وجفاف في مخزونها المائي، مما دفع المجتمعات الريفية إلى إنشاء البرك المائية لحجز مياه الأمطار، والاستفادة منها في الاستخدام الزراعي والمنزلي.

في القرى الريفية الجبلية في اليمن، وتحديداً في محافظة تعز جنوب غرب البلاد، كان من الصعب على السكان حفر الآبار، بسبب وقوع القرى في أعالي الجبال، وأيضاً لصعوبة رفع المياه من الوديان للجبال، حتى في العصر الحديث كانت ثمة صعوبة لضخ المياه، في ظل غياب الطاقة الكهربائية الحكومية.

دفع ذلك الأمر ببعض سكان القرى الريفية في تعز، مثل قرى حيفان- منطقة الحجرية، إلى الاعتماد على الوسيلة القديمة التقليدية لتجميع وخزن مياه الأمطار، عبر إنشاء مبنى من الحجر يطلق عليه: “السقاية”، وهي خزانات تقليدية لحفظ المياه عرفتها اليمن منذ القدم.

ماهي الِسّقاية؟

السقاية: كما يسميها السكان المحليين في الريف اليمني، خصوصاً في المناطق الوسطى والغربية كمحافظة تعز، هي نظام جمع وتخزين مياه الأمطار داخل بركة مغلقة السقف. تستخدم هذه المياه في الاستهلاك المنزلي، وري المزروعات.

تكمن أهمية السقاية لسكان الريف في تلك المناطق، في كونها تعتبر المصدر الوحيد لمياه الشرب بعد أن يتم تنقيتها، وهي أيضاً للمياه المستخدمة في الطبخ والاستهلاك المنزلي، بالإضافة لري المزروعات.

سقاية

طريقة بناء الِسّقاية:

تتمثل طريقة بناء السقاية أو السقايات، بالقيام بعملية الحفر في جوف الأرض الصخرية. حيث كان قدامى اليمنيين ينحتون تجويف الصخور لأمتار معينة تصل من 2- 3 أمتار.

حتى قبل 5 عقود ماضية، كان سكان الريف اليمني يستخدمون عند إنشاء مبنى السقاية (خزان الماء) الصخور، ويضعون بينها مادة الطين أو الجص/ الجبس الطبيعي. وفي العصر الحديث يجري استخدام الحجر ومادة الإسمنت، أذ يتم بناء السقاية مثل الصهريج.

تتميز السقاية في بنائها بكونها مبنى يشبه البركة المغلقة بسقف وباب، وتمتاز بوجود درج أو سلالم مبنية من الأحجار المتدرجة من أسفل القاع (قاع السقاية) وصولاً إلى باب السقاية.

هذه السلالم تم وضعها لقياس منسوب ارتفاع الماء، في حالة حصاد مياه الأمطار من سقف السقاية، وأيضاً للنزول بها لقاع السقاية لأجل تنظيفها حين تكون فارغة.

ويتكون نظام نقل المياه من مواضع تجميع المياه فوق سطح هذه المباني من مزاريب مُعلقة على جانبي السطح؛ بحيث تكون مائلة وتصل إلى أنبوب ثم إلى صهريج. وتستخدم المزاريب لنقل مياه الأمطار من السطح إلى وعاء التخزين.

وفي أغلب السقايات توجد مرشحات بسيطة للمياه، مثل تثبيت قطعة من القماش بشكل مُحكم كمرشح/ او فلتر، على فتحات الأنابيب التي تصل إلى خزان السقاية لترشيح المياه الداخلة إليها. (حالياً يتم وضع الشبك البلاستيكي).

وبفعل ظروف عدة وعامل الزمن، تعيش وتنمو داخل مبنى السقاية بعض الكائنات المائية كالطحالب والأسماك الصغيرة، التي تقوم بعملية تنظيف المياه من العوالق، كما يتم أيضاً جلب الأسماك من مجرى الوديان التي توجد فيها عيون تتكاثر فيها تلك الأسماك.

مميزات نظام خزن مياه الأمطار:

تورد دراسة حديثة عن أسلوب حصاد مياه الأمطار من أسطح المباني RWH، بأنها تعتبر وسيلة بسيطة ومنخفضة التكلفة وتتطلب خبرة بسيطة وتستخدم في مناطق الريف، وبحسب الدراسة، فإن مياه الأمطار التي يتم حصدها، تعتبر أفضل من غيرها من بقية المصادر المتاحة أو التقليدية، فقد تكون المياه الجوفية غير صالحة للاستخدام، بسبب مادة الفلوريد أو الملوحة أو الزرنيخ.

وتشير الدراسة التي أعدها الباحثان إيتان جور، دوروثي سبوهلر، عن حصاد مياه الأمطار بالمناطق الريفية، إلى أن هذه التقنية توفر تكاليف شراء المياه والوقت المُستغرق في استخراج المياه من المصادر المائية في المدينة.

وبحسب الدراسة، فإنه يُمكن للمستخدمين صيانة أنظمة تجميع وتخزين المياه بأنفسهم، والتحكم بها بدون الحاجة إلى الاعتماد على أفراد آخرين من المجتمع، كما يُمكن استخدام جميع مواد تشييد الأسطح تقريباً لجمع المياه للأغراض المنزلية.

إلى ذلك، يمكن تدريب السكان المحليين بسهولة لتشييد هذا النوع التقليدي من أنظمة حصاد مياه الأمطار بأنفسهم، ويعمل ذلك على تقليل التكاليف، فضلاً عن أنها تعمل على توفير المياه عند الحاجة للاستهلاك بدون تكاليف عالية.

في حين تورد الدراسة ذاتها، أن حصاد مياه الأمطار من المباني التقليدية يكمن عيبها في محدودية عملية تجميع المياه، كونها تعتمد على كمية الأمطار وسعة نطاق التخزين وكذلك محدودية حجم الخزان.

إلى ذلك، فأن حصاد المياه من الأمطار، قد يتعرض هذا المصدر للنضوب في فترات الجفاف، حيث قد تُسبب فترات الجفاف الطويلة مشاكل في إمدادات المياه. وهي تحتاج بشكل ضروري إلى مراعاة الاستخدام والصيانة الدورية؛ حيث يُمثلان عاملين مهمين جداً، ونجد أنهما غالباً ما يُهملان.

* المراجع والمصادر:
– الحسين بشواظ، “اليمنيون سادة الماء في العالم”، منظمة المجتمع العلمي العربي، ديسمبر 2017.
– عبد الله النعمان، محمد القدسي، “المنشآت المائية وأنظمة الري في الحضارة اليمنية القديمة”، ARSCO.
– أ.د. قادري عبد الباقي أحمد، مؤشرات العجز المائي في اليمن، قسم الجغرافيا كلية الآداب – جامعة عدن.
– دراسة: التنميط الحضري محافظة تعز، الاتحاد الأوروبي، برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN- HABITAT)2020.
– إيتان جور، دوروثي سبوهلر، “حصاد مياه الأمطار: المناطق الريفية”، منظمة SSWM.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى