تقارير

ملف الخدمات والاقتصاد بين غضب الشارع والتوظيف السياسي

  • في عدن تتفاقم الأزمات وتنهار الخدمات كغيرها من محافظات البلاد وشهدت احتجاجات غاضبة عمّت كل مديرياتها

  • محتجون: التعبير ومواجهة الأزمات كان هذه المرة مختلفاً بعد أن كان يقتصر على شبكات التواصل الاجتماعي

  • ملف الكهرباء فجّر غضب الناس في عدن وسحب معه كافة ملفات الخدمات والأزمات المعيشية المتراكمة

عدن- “الشارع”- تقرير دنيا حسين فرحان:

تشهد العاصمة عدن، بين الحين والآخر، أزمات متكررة نتيجة لسوء المعيشة وتردي الخدمات العامة، في الوقت الذي تغيب فيه السلطات والجهات المعنية من أجل احتوائها والتخفيف من أعبائها على المواطنين، وتستخدم الخدمات في الصراع السياسي بين النخب الحاكمة.

مؤخراً، تفاقمت في عدن، كغيرها من محافظات البلاد، أزمات الكهرباء والماء والمشتقات النفطية وانهيار العملة المحلية، وما قابله من غلاء معيشي وارتفاع في أسعار المواد الغذائية، والتردي الحاصل في كل القطاعات، الذي نتج عنه غضب شعبي أخذ في التنامي بشكل شبه يومي، وليس في عدن وحدها.

 

غضب من الافتراضي إلى الواقعي

كانت البداية من مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر فيها الكثير من الناشطين عن استيائهم جراء ما يحدث، قبل أن يتطور الوضع إلى وقفات واحتجاجات غاضبة في عدن وغيرها من المحافظات المجاورة.

وللتعبير عن الرفض الشعبي لواقع الحال، والتنديد بالأزمات المتراكمة على كاهل المواطنين، اتخذ العشرات من الشباب من ساحة العروض في عدن مكاناً للتجمع والتعبير عن آرائهم، ورفع لافتات تستنكر كل ما يحدث وتوجه رسائل للحكومة التي منذ تشكيلها وعودتها إلى عدن لم تتخذ أي إجراء عملي وعلى أرض الواقع لتلافي ما يحصل من أزمات.

بالمقابل، شهدت شوارع عدن في العديد من مديرياتها فوران غضب أفضى إلى إغلاق شوارع وإحراق إطارات تالفة تنديداً بتردي الأوضاع وانهيار الخدمات.

وفي ساحة العروض بمديرية خور مكسر، حيث تجمع العشرات من السكان في عدن للمطالبة بتحسين الخدمات ومعالجة الوضع المعيشي، وجه المحتجون رسائل صريحة للحكومة والجهات المعنية بسرعة التدخل وإنهاء الفساد والتجاهل الحاصل لمعاناة المواطنين، محذرين من انطلاق ثورة جياع كبيرة لن تستطيع الحكومة وأجهزتها إيقافها.

وأمس الأول، رصدت “الشارع” آراء العديد من المشاركين في احتجاجات ساحة العروض بخور مكسر، عن تفاقم الأزمات وجدوى الاحتجاجات الغاضبة، ودور الحكومة في إيقاف ما تشهده البلاد من أزمات متراكمة.

يقول العديد من المحتجين، إن التعبير ومواجهة الأزمات كان هذه المرة مختلفاً، بعد أن كان يقتصر على شبكات التواصل الاجتماعي، فبعد أن ضاق الحال بالناس وتفاقمت الأزمات عليهم، لم يجدوا غير الشارع ملاذاً لهم لإيصال رسائلهم بشكل واضح ومسموع، طالما هو حق مكفول.

 

أزمات ممنهجة

ويرى المحتجون، أن مسألة تفاقم الأزمات وتردي الخدمات وانعدام أغلبها، تحدث بطريقة ممنهجة ومتعمدة، وتدخل في سياق الصراع السياسي الحاصل، والضحية هو المواطن في نهاية المطاف، حيث تسلب كل حقوقه التي على الدولة توفيرها، خصوصاً الخدمات العامة، وإبعادها عن أي صراع.

وشهدت عدن، منذ مطلع الأسبوع الجاري، حركة احتجاجية غاضبة وعفوية، لم تتوقف عند المسيرات، بل أغلق المشاركون فيها الشوارع العامة وإحراق إطار السيارات التالفة، وجابت التظاهرات مختلف أنحاء المديريات، رفع فيها المشاركون لافتات تعبر عن رفضهم الوضع الحاصل، خاصة بعد انقطاعات الكهرباء لأكثر من 16 ساعة في اليوم، وغلاء الأسعار، ورفع سعر المشتقات النفطية، وعدم ثبات سعر الصرف، ناهيك عن مشاكل تردي الخدمات والوضع الأمني والصحي، وتراكمات لمختلف المشاكل التي عانت منها العاصمة عدن منذ تحريرها.

يقول الإعلامي في إذاعة هنا عدن، نزار أنور، لـ “الشارع”، حول أزمة الكهرباء: “أعتقد أن هذا الموضوع من كثر ما تكلم فيه الناس أصبحوا عارفين تفاصيله، حيث يحاول البعض أن يصور لنا الموضوع بأنه معقد وأنه أصبح مثل المتاهة التي يصعب حلها أو كما شبهها أحد المسؤولين ثقب أسود”.

ويضيف: “الصدق أن معظم المسؤولين ولا أقدر أن أقول في الدولة، لأنه كان نفسي والله أقولها بس للأسف لا يوجد لدينا دولة، المهم معظم هؤلاء المسؤولين يعرفون ما هو السبب، وأين يكمن الخلل، وما هي الحلول أيضاً، ومن يقول بأنه لا يعرف فهو كاذب”.

ويتابع: “طبعاً معظم هؤلاء، إن لم يكن كلهم، الذي يمنعهم من الحديث حول هذا الموضوع أو التصريح به هي حسابات مختلفة تمثل لدى البعض منهم شخصية وعند البعض الآخر سياسية، ولما أقول حسابات فأنا أعني هنا (المصالح) وآخر شيء ممكن يفكر فيه هؤلاء هي مصالح الناس، وهذا الكلام ليس جديداً، وأدرك أن كثيراً منكم يفهمه”.

ويستطرد: “لكن غير المعروف أو بالأصح الذي يراد له أن يكون غير معروف، هو الإجابة عن الأسئلة التي دائماً يسألها الناس ولم يحصلوا على إجابة شافية عليها مثل: ما هو الحاصل في قطاع الكهرباء؟ ولماذا لا توجد معالجة وحلول جذرية لها؟ ومن الذي يقف خلف ما يحدث فيها؟”.

ويوضح أنور، أن “الكهرباء ليست لغزاً أو أحجية ولا ثقب أسود ولا أي من هذا الكلام (…) هذا الذي يردده البعض للآسف، في كل بلاد في الدنيا هناك مؤسسات تعرف بأنها مؤسسات سيادية، وكل ما يتعلق بإنتاج الطاقة أو توليدها بمختلف أنواعها يقع ضمن ذلك التصنيف، لكن ما يحصل أو ما هو حاصل أن هذه المؤسسات لم تعد تحت سيطرة الدولة، لا التي كانت ممثلة بالحكومة السابقة ولا الحكومة الحالية، وتوزعت تلك المؤسسات بين مراكز نفوذ وقوى متعددة، بعضها متوافق مع بعضه وبعضها في صراع مع الآخر”.

ويقول: “فيما يخص الكهرباء ابحثوا عمن يقف خلف مؤجري الطاقة المشتراة، الأسماء التي نسمع بها هي مجرد لوحات دعائية تقف خلفها أسماء “الشياطين” التي تكلمت عن سيطرتهم على هذه المؤسسات وإجهاض أي محاولة لعودتها لحضن الدولة من جديد، حتى إن دفعهم ذلك إلى سفك الدماء؛ لأن شعار هؤلاء الأبرز الذي يرفعونه من خلف تلك الآيات القرآنية التي تتحدث عن فضل الله وحمده و شكره وأعمال الخير هو شعار ميكافيلي: “الغاية تبرر الوسيلة”. فهل تعتقدون أن من يسهل ويهن عليه سفك الدماء قد يراعي أن تبقى المدينة هذه بل وكل البلاد وجميع أهلها دون كهرباء ليس لساعات فقط بل حتى لأيام وشهور”.

 

انتفاضة من أجل حياة كريمة

“لو كل واحد يهم نفسه بس، أو ينتظر حد يحمسه عشان يطالب بحقوقه، أنا بجلس لي بالبيت وأغلب الناس مثلي”, يقول الناشط محمد وليد من مديرية المعلا.

ويضيف في حديثه لـ “الشارع” حول مشاركته في الاحتجاجات: “أنا مواطن بسيط وحالي مرتاح والحمد لله، ومعي أراضي وسيارة وبترول صرف وببلاش مخصص تبع شغل الوالدة، ومعانا اثنين مواطير (مولدات صغيرة) وشواحن وألواح شمسية في البيت وأموري طيبة جداً ومش منتظر شيء من حكومة ولا من غيرها، أشتغل مع أبي كمان في العقارات والأراضي بيع وشراء، لكن الواحد يخلي عنده ضمير ويحس بغيره, الناس تعاني وتموت.. ناس مش لاقية تأكل.. والله نحن كشباب بلا وظائف رسمية تؤمن مستقبلنا، في مرضى يموتون بسبب الكهرباء ومش محصلين علاج, الوضع مزري جداً والله متى سنشعر بالوضع الكارثي الذي عايشين فيه”.

ويوضح، أن “أكثر الناس المتضررين العسكر والأمن، فهم أول الناس من يحمونا، نحن نمارس انتفاضة شعبية لأجل حياة كريمة، ومستمرين في ذلك، ولا نقبل بالتخريب والتسيس، خرجنا والمطالب معروفة، نريد حياة كريمة، نريد الكهرباء والماء والراتب وتحسين المعيشة”.

ويضيف، أن “الذي يحاول تسييس الاعتصام والوقفات الاحتجاجية، لن يفلح، فنحن شعب ولا نتبع أي مكون ولا أحزاب خرجنا من أجل المطالبة بالخدمات ولا بد أن تستجيب لنا الحكومة”.

 

ملف الخدمات والمماحكات السياسية

ويعتقد الناشط المدني، أيوب عامر، مدير بمؤسسة تحديث للتنمية، أن “ما يحدث اليوم هو إقحام لملف الخدمات في تحقيق مكاسب سياسة”.

وقال لـ “الشارع”، إن “ذلك أمر مخزٍ ومعيب، حيث تحاول بعض الأطراف تحقيق مكاسب سياسية من خلال الضغط والابتزاز بملف الكهرباء، وهو الأمر المعتاد خلال السنوات الماضية، وندرك تماماً عدم وجود أي نية لإصلاح الكهرباء، واستقرار العملة وتوفير المشتقات النفطية، فهي أدوات مهمة بيد أطراف الصراع”.

ويوضح، أن “كل طرف يحاول الهيمنة والسيطرة على الآخر، من خلال استخدام ملف الخدمات، لغرض إحراقه أمام الشعب، فمن الالتزام الأخلاقي عدم إشراك ملف الخدمات وقوت الناس في المماحكات السياسية، والعمل على تحسين صورة كل طرف أمام الشعب بما يخدمه وليس بما يذله ويخنقه، ففي ظل كل هذه المناورات والمد والجزر السياسي بين أطراف الصراع، يقع المواطن ضحية لكافة أعمالهم القبيحة”.

 

الكهرباء فجرت بركان الغضب

ويقول صالح أبو عوذل، رئيس تحرير صحيفة اليوم الثامن، إن “مشكلة الكهرباء في عدن سياسية بامتياز، وملف الكهرباء أحد أهم الملفات التي جعلت المواطنين يخرجون للشوارع والتعبير عن الغضب، وهو من فجر الوضع، فساعات الانطفاء وصلت لأكثر من 15 ساعة في اليوم وهذه كارثة، ناهيك عن تردي الخدمات الأخرى وفي مختلف القطاعات”.

ويضيف، أن “السعودية المسؤولة بشكل مباشر عن كل شيء في عدن، إما وتحل أزمة الكهرباء، أو تسلم المدينة وتنسحب، فالحلول الترقيعية لم تجدِ، والملف بيد وزير الكهرباء نريده أن يخرج للناس يقول لهم ما الذي يحصل، أما مسألة توزيع التهم ورميها على من ليس بيده الموارد، فهذا قبح”.

ويتابع: “المجلس الانتقالي سلطة سياسية يستطيع الضغط لوقف الحرب التي تديرها أطراف معروفة ضد عدن، لكن ليس بيده موارد، إما وتحل مشكلة الكهرباء أو يرحل من هم مسؤولون عن هذه الملفات، فهناك وزير كهرباء في الحكومة لا أحد يعرف حتى شكل صورته، المجلس الانتقالي ليس مسؤولاً بشكل مباشر، لكن تقع عليه مسؤولية أخلاقية في فضح من يحارب عدن بملف الخدمات، فالمسؤولية تقع على السعودية ثم حكومة معين عبدالملك، ووزير الكهرباء”.

وحول الحلول من وجهة نظر المحتجين، نعود إلى الإعلامي نزار أنور، حيث يرى، أن “حل ومعالجات هذه المشكلات والأزمات جميعها فنحن بين أمرين: إما أن نخضع لسيطرة هذه النخب ومراكز القوى وحكمها ونرضى بما قد يجودون به ويتفضلون به علينا، ويجب في المقابل أيضاً أن نعبر سراً وعلانية بكل ما هو ممكن من مظاهر الشكر والامتنان، والأمر الثاني أن ينتهي حكم هذه النخب إلى غير عودة ونعيش على أرضنا أعزاء كرماء”.

أمام كل هذه التجاذبات، وتراكم الأزمات، يبقى المواطنون أمام خيارات مفتوحة لقول كلمتهم من أن يظلوا مرتهنين لأمل استجابة الحكومة أو المتصارعين السياسيين في التخفيف من معاناتهم ومن وضعهم الصعب الذي قد يلازمهم لسنوات طويلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى