تقارير

اتساع رقعة الصراع في المنطقة هل ينقل الحرب في اليمن إلى مرحلة جديدة؟

عدن- “الشارع”:

ينتقل الصراع  الدائر في اليمن الذي يدخل عامه الثامن، إلى مرحلة جديدة، من التطورات الميدانية. إثر استهداف مليشيا الحوثي الانقلابية، المدعومة من إيران منشآت حيوية في العمق الإماراتي للمرة الثانية خلال أسبوع.

وأعلنت الإمارات، أمس الإثنين، اعتراض وتدمير صاروخين باليستيين في أجوائها. وقالت إن الحوثيين أطلقوهما باتجاه أراضيها. وذلك بعد نحو أسبوع على هجوم دام استهدف الحوثيين خلاله العاصمة أبوظبي. أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين وإصابة ستة آخرين من جنسيات مختلفة.

وتبنى الحوثيون، الهجومين. وقال المتحدث العسكري باسمهم يحيى سريع، إن الصواريخ استهدفت دبي. التي تعتبر القلب الاقتصادي للشرق الأوسط. وقاعدة الظفرة الجوية في أبوظبي، التي تضم جنودا أمريكيين وفرنسيين.

وكان الحوثيون، استهدفوا قبل ذلك بساعات قليلة، خلال الليل، بقذائف صاروخية أيضا، جنوب السعودية. حيث أصيب شخصان في جازان. فيما تم اعتراض صاروخ أطلق على منطقة ظهران الجنوب في البلدة ذاتها.

ويأتي هذا التصعيد من جانب الحوثيين، كرد فعل على دعم أبوظبي العسكري لقوات العمالقة الجنوبية. التي استعادت مناطق واسعة في غرب شبوة وجنوب مأرب كانت تحت سيطرت الحوثيين. وفق ما يرى مراقبون.

وحول توسع هذا التصعيد واتساع رقعته إلى دولة الإمارات، يقول المستشار في الجيوستراتيجية والمتخصص في قضايا الشرق الأوسط، مارك غوتالييه. في حوار أجرته معه فرانس24، إن “صفحة جديدة تفتح في الصراع باليمن. عقب الهجوم الأول على أبوظبي الأسبوع الماضي، يتبنى الحوثيون اليوم مرة أخرى هجوما استهدف عاصمة الإمارات وكذلك دبي”.

ويضيف: “هذا التطور يتعلق بالسياق الميداني في اليمن حيث تحول القتال المتصاعد مؤخرا بين المقاتلين المدعومين من الإمارات والحوثيين في محافظة شبوة وسط البلاد لصالح حلفاء أبوظبي”.

ويتابع: “رداً على ذلك، يهاجم الحوثيون، الذين فقدوا سيطرتهم على أراض في المنطقة، الإمارات بشكل مباشر. وسبق لهم أن هددوا بمهاجمتها خلال السنوات الأولى من الصراع. لم يفعلوا ذلك لأنهم ربما لم يكن لديهم القدرة على ذلك. على الرغم من أن الحوثيين ضربوا في عام 2019 مباشرة على الحدود مع الإمارات، في منطقة النفط السعودية في الشيبة. وفي ذلك الوقت، كانت الرسالة قد وصلت، حيث أعلن الإماراتيون بين عشية وضحاها رغبتهم في الانسحاب من الصراع”.

ويوضح، أنه “منذ ذلك الحين، انسحبت الإمارات نسبيا من الحرب لأنها أرادت تأمين أراضيها وتنظيم معرض إكسبو الدولي في دبي بشكل أفضل، والذي لا يزال قائما. وقد راهن الإماراتيون عليه كثيرا لإعطاء دفعة جديدة لاقتصادهم وجذب مستثمرين جدد”.

ويقول: “يعرف الحوثيون أنهم لا يستطيعون هزيمة الإمارات عسكريا، وهي إحدى القوى العسكرية القليلة البارزة في الخليج. وبضربهم أراضيها يستهدفون طموحات هذا البلد التنموية ورموز قوته الاقتصادية، لأنه من حيث الصورة والعواقب الاقتصادية المحتملة، يمكن أن تكون هذه الهجمات كارثية في نهاية المطاف”.

لكن الخطر الذي يواجهه الحوثيون، وفق غوتالييه، والذين يريدون انسحاب أبوظبي من الصراع، أن تشارك الإمارات بشكل أكبر على الأرض لأن المنطق يملي عليهم رد الفعل”.

وحول تطور الترسانة العسكرية المتاحة للحوثيين وتهديد الأراضي الإماراتية بشكل مباشر، يرى مارك غوتالييه، أنه “بغض النظر عما يمكن للتحالف تحقيقه ومهما كانت استراتيجيته. يستمر الحوثيون في تعزيز قوتهم وإطلاق صواريخ لا نهاية لها”.

كما يعتقد، أن “هناك العديد من العوامل التي تشرح كيف زادت قوتهم الضاربة بشكل كبير وتعديل نطاق مقذوفاتها. حيث أنهم لم يبدأوا من الصفر. فعندما سيطروا على اليمن الشمالي سابقا، استولى الحوثيون على ترسانات نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، والتي كانت تحتوي بشكل ملحوظ على عدد من الصواريخ الباليستية. كما جندوا عددا كبيرا من الأشخاص ذوي الخبرة، معظمهم من الجيش اليمني، القادرين على دعم وتطوير هذا النوع من الصواريخ، واستعادوا شبكات مهربي الأسلحة. حيث كان اليمن لعقود من الزمن منصة إقليمية لهذا النوع من التجارة”.

ويشير غوتالييه، إلى تاجر السلاح القيادي الحوثي فارس مناع، كأحد “أشهر مهربي الأسلحة في البلاد، والذي كان لفترة من الوقت قريبا من الرئيس السابق علي صالح، وهو وزير دولة في حكومة الحوثيين”.

كما لفت إلى المساهمة الخارجية التي مكنت الحوثيين من التطور تقنيا، أبرزها دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الذي تبين أنه “حاسم”. على حد وصفه.

ويقول: “كل شيء يشير إلى طهران، رغم نفي إيران والحوثيين. الإيرانيون، الذين تتهمهم الأمم المتحدة بعدم احترام حظر الأسلحة المفروض على اليمن. يزودون حلفائهم الشيعة بجميع أنواع الأسلحة، ليس فقط الصواريخ الباليستية، التي تفلت من شبكة الحصار. فطهران توفر أيضا عددا كبيرا من قطع الغيار، التي يصعب تعقبها والتي لا تخضع بالضرورة لعقوبات الأمم المتحدة”.

ويوضح، أنه “بعد تجميعها، تُستخدم قطع الغيار هذه إلى حد كبير في تصنيع الطائرات بدون طيار. مثل تلك التي تم استخدامها لمهاجمة الإمارات والتي تعتبر، في الشرق الأوسط كما في أي مكان آخر، عاملاً لتغيير جوهري في الصراع”.

ويضيف: “يستفيد الحوثيون من دعم مدربين إيرانيين، وبشكل أساسي من فيلق القدس، وحدة النخبة في الحرس الثوري، ولكن أيضا من حزب الله اللبناني. لا يُعرف عدد هؤلاء المدربين وكميات الأسلحة والصواريخ التي يمتلكها الحوثيون. لكن من المعروف أن ترسانتهم قد تحسنت بشكل مطرد على مر السنين على مستوى النوع والكم على السواء. مثلما يتضح من قدرتهم على ضرب مناطق بعيدة. فاستهداف الأراضي السعودية بشكل متكرر سمح لهم بأن يصبحوا أكثر دقة وأن يلحقوا الأضرار فيها”.

كما ينوه غوتالييه، إلى استخلاص “خبراء الأمم المتحدة من خلال حطام الصواريخ والمواد التي تم الحصول عليها أنها كانت إما تقنية إيرانية بحتة أو مشتقة منها، أو تكنولوجيا عسكرية صينية، والتي تعتبر إيران زبونا لديها”.

وبحسب مارك غوتالييه، فإن “أكثر ما يقلق السعوديون والإماراتيون هو أن هذه المقذوفات فعالة ولا يكلف تصنيعها الكثير. بينما لوقفها، يتعين على الرياض وأبوظبي إنفاق ثروات لشراء المعدات من الخارج”.

في تصعيد كبير لواحد من أكثر النزاعات التي طال أمدها في العالم. تؤكد الهجمات كيف يمكن الحرب في اليمن التي استمرت لأكثر من سبع سنوات في زاوية شبه الجزيرة العربية أن تتحول إلى خطر إقليمي. استهدفت إحدى هجمات هذا الأسبوع قاعدة عسكرية إماراتية تستضيف القوات الأمريكية والبريطانية. وفق ما ذكرته وكالة أسوشيتد برس، الأمريكية.

وبحسب الوكالة ذاتها، فإنه “كان من شأن الاستيلاء على مأرب أن يحكم الحوثيون سيطرتهم على شمال اليمن بأكمله. وأن يجلب لهم الثروة ومنحهم نفوذا في مفاوضات السلام المستقبلية”.

كما نقلت أسوشيتد برس، عن بيتر سالزبوري الخبير بشؤون اليمن في مجموعة الأزمات الدولية، قوله إن “التصعيد منع مأرب من الوقوع في أيدي الحوثيين، لكنه “تطلب بعض التحالفات السياسية” داخل تحالف القوى المناهض للحوثيين.

ويضيف: “كان على السعوديين السماح بتمكين القوات المدعومة من الإمارات (قوات العمالقة)، وتقويض حلفاء هادي (القوات الموالية لحزب الإصلاح)، الذي كانوا في صراع طويل مع الإمارات”.

كما نقلت أسوشيتد برس، عن ريمان الحمداني، الزميلة الزائرة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، قولها إن “الحوثيين قد يجرون الامارات العودة إلى الصراع الذي كانت تحاول الخروج منه”.

كما توضح الحمداني، أن استمرار القتال وتصاعد وتيرته، “مثال على عدم استعداد جميع الأطراف للتوصل إلى أي إجماع”.

وسبق التصعيد الأخير، إقدام الحوثيين مطلع الشهر الجاري، على اختطاف سفينة إماراتية في البحر الأحمر قبالة ساحل الحديدة. وزعموا أنها كانت تحمل أسلحة. فيما قال التحالف إن السفينة كانت تنقل معدات طبية من مستشفى ميداني سعودي مفكك في جزيرة سقطرى اليمنية. وهدد بمهاجمة الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون إذا لم يفرجوا عن السفينة.

وقادت هذه الأحداث المتصاعدة، خصوصا من جبهة الحوثيين، إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، إلى التفكير بالتراجع عن قرارها السابق الذي صدر العام الماضي برفع تصنيف الحوثيين من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.

كما تدرس الإدارة الأمريكية، حاليا الأمر بجدية، خصوصا بعد الهجمات الأخيرة التي يحتمل أنها كانت موجهة صوب القاعدة الأمريكية في منطقة الطفرة في الإمارات.

وعلى مدى الثلاث السنوات المنصرمة، فشلت كافة التحركات الدبلوماسية الدولية والمساعي الأممية، في جلب أطراف الصراع اليمني  طاولة المفاوضات لبحث حل سلمي للأزمة اليمنية.

وخلال السبع السنوات الماضية، خلفت الحرب في اليمن، أوضاع إنسانية غاية في السوء، تصنفها الأمم المتحدة “الأسوأ عالميا”.

ويعتقد المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، وفق إحاطته قبل الأخيرة لمجلس الأمن الشهر الماضي، أن “الحل المستدام في اليمن لا يمكن أن يحدث إذا لم يمثل مصالح مختلف اليمنيين. سواء كانوا مشاركين في القتال أم غير مشاركين”. كما شدد على العمل “نحو سلام عادل ومستدام وليس نحو مجرد التأكد من غياب الحرب”.

ومع استمرار الحرب في اليمن الذي راح ضحيته 377 ألف شخص بشكل مباشر وغير مباشر، فإن الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم، ستتعمق بشكل أكبر. ما يعيق أي عملية تسوية سياسية على المدى القريب.

وكان تقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قد توقع أن 3,1 مليون شخص سوف يفقدون أرواحهم بحلول عام 2030، إذا استمرت الحرب. علاوة على ذلك، فإن نسبة متزايدة من هذه الوفيات لن تكون بسبب القتال. ولكن بسبب تأثير الحرب في اليمن على سبل العيش، وأسعار الغذاء وتدهور الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية.

كما وضع التقرير سبعة سيناريوهات مختلفة للتعافي من أجل فهم أفضل لآفاق وأولويات التعافي وإعادة الإعمار في اليمن. مشددا على الحاجة إلى عملية تعافي شاملة تتضمن جميع قطاعات المجتمع اليمني وتضع الناس في قلب التوصيات الرئيسية والمحددة مثل تمكين المرأة. والاستثمار في الزراعة، والحوكمة الجامعة، والاستفادة من القطاع الخاص.

وتوصل التقرير، إلى أن “الفقر المدقع في اليمن يمكن القضاء عليه في غضون جيل أو بحلول عام 2047 إذا توقفت الحرب في اليمن “.

وفي عام 2019، توقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنه إذا استمرت الحرب في اليمن حتى عام 2022، فإن اليمن ستكون أفقر دولة في العالم. كما ذكر البرنامج في عام 2021، أن الصراع قضى بشكل دائم على 126 مليار دولار من النمو الاقتصادي المحتمل الذي لن يتعافى أبدا. وأن 80 بالمئة من سكان اليمن يعتمدون الآن بشكل كامل على المساعدات المالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى