تقارير

سياسة الولايات المتحدة تجاه اليمن في ظل إدارة بايدن

  • في ظل إدارة بايدن ستكون سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه اليمن أكثر حذراً لكن مفتاح السلام يكمن في البلد

  • موقف بايدن تجاه التعددية المتمثل في دعمه لتوسيع حلف الناتو يبدو مناقضاً نوعاً ما لمفهوم ترامب الشوفيني المتحيز للمصالح الأمريكية ولأسلوبه المشخصن ذي الطابع التجاري في تناول العلاقات الدولية

  • الشراكة الكبيرة وطويلة الأمد بين المملكة السعودية والولايات المتحدة ما زالت تمثل عنصراً رئيساً في سياسات أمريكا في المنطقة مما يصعب تخيُّل أيِّ رئيس يهدد تلك الشراكة

  • الصراع (في اليمن) ليس متمحوراً حول الولايات المتحدة لذلك من غير المرجح أن يؤدي التغير الجذري في الإدارة وحده إلى إحلال السلام في اليمن

  • طالما أن الفصائل الرئيسية ترى أن الصراع يصب في مصالحها الخاصة وطالما أن اقتصاد الحرب يوفر الدافع المادي القوي للجهات الفاعلة على خطوط الصراع فإنّ القتال سيستمر بغض النظر عمّن في البيت الأبيض

  • الأمر البناء والأهم الذي يمكن للولايات المتحدة تنفيذه هو استخدام قدراتها الدبلوماسية ونفوذها بجانب الشركاء الإقليميين والدوليين للوساطة في نوع من الاتفاق الداخلي الذي بإمكانه فض النزاع

آدم بارون:

تكمل الآن الحرب في اليمن عامها السادس – وبمجرد تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن في العشرين من يناير (كانون الثاني)- ستكون الحرب اليمنية قد امتدت على طول ثلاث إدارات أمريكية. بصورة عامة، لم يرَ دونالد ترامب البلد إلا من خلال منظوره الخاص بإيران والخليج. ويعتقد أن رحيل ترامب سيجعل الفرصة سانحة لإعادة تشكيل السياسات الأمريكية تجاه اليمن. غير أن التوقعات القائلة بأن صعود إدارة بايدن قد يكون مبشراً بنهاية القتال في اليمن هي على الأرجح توقعات مفرطة في تفاؤلها، ويرجع جزء كبير من ذلك إلى القضايا الهيكلية على أرض الواقع كما يوضح الصحفي والخبير في الشأن اليمني آدم بارون.

قدم السباق الانتخابي الأمريكي ذو الأجواء المتوترة، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، وتداعياته نهاية مناسبة للرئيس الذي كان بمثابة ممثل في مسلسل من مسلسلات تلفزيون الواقع. وقد استحوذ ترامب على انتباه اليمنيين، كغيرهم في العالم أجمع، ولكن في هذه الحال كان الأمر متعلقاً بما يفوق الدراما. فالدور الضخم الذي تقوم به الولايات المتحدة في المنطقة يعني ارتفاع التوقعات بخصوص الآثار المحتملة لنتيجة الانتخابات على اليمن -وهو أمر مبرر. فبلا شك، فإن فوز بايدن سوف يؤدي إلى تحولات في محتوى سياسة الولايات المتحدة تجاه اليمن، بل قد تطال التغييرات، بدرجة أكبر، الأسلوب المتبع إزاء هذا البلد.

يعد بايدن من نواحٍ عديدة بمثابة النموذج أو العينة الممثلة للشخصية المنتمية إلى مؤسسات الحكم في واشنطن العاصمة. وبصفته عضواً في مجلس الشويخ منذ أواخر العشرينات من عمره، فإنه يقترب كثيراً من تجسيد التيار السياسي الأمريكي السائد. وقد انعكس ذلك حتى الآن على اختياراته لمجلس وزرائه الذي يضم عدداً من التكنوقراطيين المعروفين منذ زمنٍ في دوائر صنع السياسات الأمريكية، والمخضرمين من ولاية باراك أوباما، وهم ممن شغل بايدن نفسه منصب نائب رئيسهم في الفترة من 2009 إلى 2017. ومن المتوقع، أيضاً، أنْ تفصح تلك الخلفية السياسية ذات الميول المتوسطة بين جناحي النخبة السياسية عن النهج الذي سيتبعه تجاه اليمن ومنطقة الخليج بصورة عامة.

عودة التعددية والاستقرار إلى صناعة السياسات الخارجية للولايات المتحدة

من المتوقع أن تتمثل إحدى التغيرات الرئيسية المصاحبة لولاية بايدن في التركيز المُجدَد على كثير من مؤسسات الدولة التي سخر منها ترامب باعتبارها أذرع “الدولة العميقة”، وهذا من شأنه التأثير على اليمن من منظورين:

 أولاً: لأنه سيجعل السياسة الأمريكية أكثر استقرارا وقابلية للتنبؤ. وبدون الإعلانات الطنانة المفاجئة عبر تويتر والتي ميزت السنوات الأربعة الماضية، ستكون المفاجآت أقل كثيراً. ويذكر هنا أن بعض الجهات ذات الخبرة بشؤون بايدن، السيناتور السابق، وفريقه قد وصفته بأنه رجل محاورات يتحلّى بالتريث -وهذا يعدّ اختلافاً كبيراً يميزه عن سلفه المتقلِّب.

ثانياً: ستقدم إعادة تمكين العمليات المؤسسية – في وزارة الخارجية بشكل خاص- فرصةً لتعزيز المشاركة الدبلوماسية الأمريكية في اليمن والمنطقة الأوسع، وسوف تعم الفائدة أيضاً المحادثات متعددة الجوانب كما في جهود استعادة السلام اليمني. فقد أشارت مصادر دبلوماسية مراراً إلى مساهمة الولايات المتحدة المتعاونة والنشطة على أنها مفتاح لنجاح المفاوضات السابقة في اليمن، وبالأخص أثناء الفترة الانتقالية التي أعقبت الربيع العربي في عهد أوباما. وفي عهد ترامب حدث تغير كبير في كل من المواقع الدبلوماسية الإقليمية وفي وزارة الخارجية، وقد صعّب ذلك من حدوث مثل ذلك الانخراط في المشاركة.

وربما يكون الأمر الأهم هو أننا، على الأرجح، سنشهد تغيراً جذرياً في موقف الحكومة الأمريكية تجاه الشؤون الخارجية من شأنه أن يترك تأثيراً عميقاً على طريقة عملها في الخارج. وموقف بايدن تجاه التعددية -المتمثل في دعمه لتوسيع حلف الناتو- يبدو مناقضاً، نوعاً ما، لمفهوم ترامب الشوفيني المتحيز للمصالح الأمريكية، ولأسلوبه المشخصن ذي الطابع التجاري في تناول العلاقات الدولية.

سيكون ثمة ضغوط يسارية تهدف إلى التأثير على الدبلوماسية الأمريكية إزاء الخليج

إن واحدة من النقاط التي جناها بايدن تتمثل في توق الجمهور العريض إلى إعادة طريقة عمل السياسة الأمريكية إلى مجراها المعتاد؛ بعد أربع سنوات غير عادية في ظل حكم ترامب. غير أن ذلك يمثل، من جهة أخرى، مصدر إحباط لعناصر اليسار الصاخب للحزب الديمقراطي، الذين عبّر أغلبهم منذ فترة طويلة عن آمالهم في تغييرات جذرية أكبر.

وبفضل التداعيات الإقليمية الأوسع نطاقاً، فإن من الراجح أن تمثِّل اليمن نقطة خلاف مهمة في وسط اليسار. فقد استغل الحزب الجمهوري لترامب الصراع من أجل الانقضاض على عدوه اللدود: إيران، ومن أجل خلق علاقات ودية غير مسبوقة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

غير أن لبعض الديمقراطيين رأياً مختلفاً، فقد أبدت بعض الشخصيات البارزة من يسار الحزب امتعاضها من السعوديين بالنظر إلى سجلهم الحقوقي، وأوضحوا أن الضغط على المملكة العربية السعودية بشأن الحرب في اليمن سوف يكون من أولويات سياساتهم في السنوات الأربع المقبلة. وقد أشار بايدن بنفسه في المناظرة الأولية بتاريخ نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 إلى المملكة السعودية على أنها “منبوذة”، قائلاً إنه سوف يسعى إلى وقف بيع السلاح إلى المملكة. أما مرشحه لوزارة خارجيته، أنتوني بلينكن، فقد تحول من الدعم الصريح إلى النقد العلني للعمليات العسكرية السعودية في اليمن.

المتوقع انتهاج للبراغماتية وليس تغييراً جذريّاً

أثار فوز بايدن المخاوف في العواصم الخليجية الرئيسية من أنه قد يتركهم في العراء. ومع ذلك، فلا يزال من غير الواضح انعكاس هذه الآراء والمشاعر على سياسات الرئيس القادم. هذا؛ إن كان لها أساس من الصحة أصلاً. فالشراكة الكبيرة وطويلة الأمد بين المملكة السعودية والولايات المتحدة ما زالت تمثل عنصراً رئيساً في سياسات أمريكا في المنطقة، مما يصعب تخيُّل أيِّ رئيس يهدد تلك الشراكة – ناهيك عن أن يكون ذلك المهدد المحتمل شخص تقليدي مثل بايدن. ومما يدعم صحة هذا الرأي، بصورة خاصة، وجود تلك الهجمات المستمرة التي تستهدف المملكة عبر الحدود؛ لاسيما الضربات الصاروخية التي تطال أهدافاً تصل في مداها إلى الرياض.

وهذا لا يعني استبعاداً لاحتمالية أن نرى نوعاً من الاعتراضات ضد الرياض، خاصة فيما يتعلق باليمن. فقد قالت مصادر دبلوماسية بوجود احتمال قوي بتجميد بيع الأسلحة في وقت مبكر من ولاية بايدن، هذا؛ مع أن تلك التجميدات لن تبلغ ما يطالب به أصحاب الاتجاه اليساري النشط في الحزب. وعلى أقل تقدير، فإنّ مما لا مفر منه هو أن تجرى مراجعة لتصنيف إدارة ترامب، في اللحظات الأخيرة من عمرها، للحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية، بل قد تعمد الإدارة الجديدة إلى التراجع عن هذا التصنيف بصورة تامة. وعموماً، فإن من المرجح أن تسعى إدارة بايدن إلى فرض التوازن بين الفصائل المختلفة للحزب الديمقراطي، وهذا الأمر قد يسفر عن عملية صنع قرار تتسم بالبطء وبدورات من التدوال؛ على الرغم من أن نشاط الكونجرس من الحزبين بشأن اليمن، والذي يجسده تعاون السناتور الجمهوري تود يونج (عن ولاية إنديانا) وكريس مورفي (الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت)، سيستمر في التأثير على السياسة أيضاً.

وسيعزز ذلك عبر التحول المحتمل نحو قيادة أمريكية يعاد تنشيطها دبلوماسياً، الأمر الذي يعني اعتماداً أكبر على القوة التنظيمية للولايات المتحدة، وتنسيقاً أكبر مع الحلفاء الغربيين والإقليميين. هذا التحول الكبير نحو العملية بدلاً من الأيديولوجية ينبئنا ببراغماتية محتملة نحو دور السعوديين في اليمن. ويرى صانعو السياسة الأمريكية -بغض النظر عن تقييمهم للحرب عموماً- أن الدولة الخليجية تمثل مفتاح التسوية بعد الحرب أو عند إعادة الإعمار. ويعني هذا استمرار القيود المفروضة على مقدرة بايدن على إنهاء الصراع في اليمن. وهي القيود نفسها التي كانت مفروضة على كل من أوباما وترامب.

محدودية الدبلوماسية البناءة بشأن التحديات المستمرة في اليمن

جدير بالذكر أن هذا الصراع ليس متمحوراً حول الولايات المتحدة، لذلك من غير المرجح أن يؤدي التغير الجذري في الإدارة وحده إلى إحلال السلام في اليمن. ففي حين تسببت التدخلات الأجنبية في تفاقم سوء الأوضاع، فإنها لم تخلقه بنفسها في المقام الأول – مع بعض الاستثناءات. وقد أسفرت اتفاقية ستوكهولم والجهود المبذولة من قبل جون كيري، وزير الخارجية الأسبق في نهاية ولاية أوباما، عن بعض النجاحات الصغيرة (بل الضئيلة الوزن في أحيان كثيرة)، إلا أنها فشلت في حسم إنهاء القتال. وفي نهاية المطاف، لن تنتهي الحرب إلا بحدوث نوع من الاتفاق بين اليمنيين أنفسهم.

وبالتالي، فإن الأمر البناء والأهم الذي يمكن للولايات المتحدة تنفيذه هو استخدام قدراتها الدبلوماسية ونفوذها -بجانب الشركاء الإقليميين والدوليين- للوساطة في نوع من الاتفاق الداخلي الذي بإمكانه فض النزاع، أو – حتى نكون واقعيين- لنقلْ تهدئته. ومع استمرار الحرب وتعقدها بصورة أكبر- وتسببها، في الآن نفسه، في تفاقم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم- فإنّ الحاجة إلى هذه الدبلوماسية المستدامة صارت ماسة أكثر من أي وقت مضى. فالعودة إلى المؤسسية المقترنة بتحول نحو التعددية والابتعاد عن نزوع ترامب القومي المعبّر عنه بـ “أمريكا أولاً”، سيكون من شأنها المساعدة، بالتأكيد، في تعزيز الاستجابات الدبلوماسية والإنسانية في أزمة اليمن.

رغم ذلك، طالما أن الفصائل الرئيسية في اليمن ترى أن الصراع يصب في مصالحها الخاصة، وطالما أن اقتصاد الحرب ذا الجوانب المتعددة يوفر الدافع المادي القوي للجهات الفاعلة على خطوط الصراع، فإنّ القتال سيستمر، بغض النظر عمّن في البيت الأبيض.

————————————————————–

نبذة عن الكاتب: آدم بارون، مستشار سياسي في مركز الحوار الإنساني في جنيف، وقد عمل، قبل ذلك، كاتباً واستشارياً ومحللاً سياسياً مختصاً في شؤون الشرق الأوسط، وتحديداً اليمن والسعودية. وعمل آدم، أيضاً، مراسلاً صحفيّاً لدى كل من الصحف التالية: “الإيكونومست”، و”ماكلاتشي”، و”كريستيان ساينس موينيتور” من العام 2011 وحتى 2014. وقبل ذلك كان زميلاً في برنامج الأمن الدولي لدى مؤسسة أمريكا الجديدة. فضلاً عن أنه كان، أيضاً، زميلاً زائراً في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، حيث نشر عدة مقالات تحلّل جوانب الحرب الراهنة في اليمن.
* نشر في المركز اليمني للسياسات
ترجمة فاطمة صالح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى