فنون وثقافة

«الحقل المحترق» لريان الشيباني.. تقاطعات الماضي والمصاير الشائكة

مجلة الفيصل– عبده منصور المحمودي:

بعد سنواتٍ أربع، على إصدار عمله الروائي الأول «نزهة الكلب»، يطلُّ الكاتب اليمني ريان الشيباني، على الساحة السردية بعمله الروائي الثاني «الحقل المحترق» (إصدارات دار خطوط وظلال، ط1، عمان، 2021م. 224 صفحة). استمدت «الحقل المحترق» عنونتها من مركزية الحدث، وتداعيات لحظته الزمنية، تبلورت هذه المركزية في حدثِ احتراقِ حقول الفلاحين، حينما أقدم على ذلك آخرُ والٍ لإمبراطورية الخلافة على اليمن، حيث كان لهذا الحدث فاعليته في الوصول بالرابع من تشرين 1918م، إلى ذروة التحول والانتقال من عهدٍ إلى عهد، وإلى ميلادِ نظامِ حكمٍ جديد. ذاك التحول، الذي أشار إليه المؤلفُ، في حديث صحافي عن روايته، بأنها «تقدم ملامسةً شيقة لمرحلةٍ من التاريخ اليمني التي كانت في بداية القرن العشرين، باعتبارها محوراً للأسئلة الشائكة حول تشكل المأزق الوجودي للحالة اليمنية عمومًا».

تمخّض التوظيفُ الفني، عن عنونةِ الرواية بهذه الرمزيةِ الاستثمارية لقصة (أصحاب الجنة)، تلك الجنة التي احترقت كعقابٍ ربانيٍّ لأصحابها. وعقاباً للفلاحين ـ أيضاً ـ أُحرِقتْ حقولُهم، مع المفارقة بين الحالين في نوعية الخطيئة التي اقترفها الفلاحون في هذه الرواية، بتوصيفها تمردًا على الوالي الإمبراطوري حينها.

تسرد أحداثُ الرواية حياةَ آخر والٍ تركيٍّ على اليمن وخاتمته المأساوية، وبذلك فهي تتعاطى مع حقبةٍ منسيةٍ من التاريخ اليمني الحديث، والاستئناس بالتاريخ في الكتابة الإبداعية سبيلٌ ناجعٌ لقراءة مجريات الحاضر قراءةً واعيةً؛ فكتابةٌ لا تستأنس بالتاريخ، لا تحسن قراءة الحاضر وانهياراته على حد تعبير فيصل دراج.

وُلِد الوالي آق ديلك بيك، لأب مسيحي كان واليًا إمبراطوريًّا على منطقة طرابلس الغرب. ظهرت على الولدِ في طفولته ثنائيةُ الذكورة والأنوثة (ترانسكشوال)، حاول الأب تدارك الأمر، فلم يفلح. وحاول ثانيةً بإعداده إعدادًا عسكريًّا حين بعثه للدراسة في معاهد باريس العسكرية. وفي بلد الدراسة، حاول آق ديلك التواؤم مع جسده وخصوصية الازدواجية فيه، لكنه أخفق، وظل مخزونه النظري عن حاله هو كل ما لديه.

بعد عودته من باريس، أحرز نجاحًا نظريًّا حينما اختير على رأس لجنةِ أزمةٍ لإخماد تَمَرُّدين مُسَلَّحَين في العراق والشام، وحينما وصلت عريضةٌ من زعماء عشائر يمنية، تتضمن طلبًا بتدخل الإمبراطورية، وقع اختيارُ الإمبراطور عليه، فأصدر قرارًا بتعيينه واليًا على اليمن. وفور وصوله إلى اليمن، نجح في إبرام صفقةٍ مع الفقيه المتمرد تاج الدين بن سراج الفاتح، الذي تخلى عن مطامعه في السلطة؛ مقابل أن يتقاسم الزكاة مناصفةً مع الوالي الجديد.

بعد سنواتٍ عشر من حكمه اليمن، عصفتْ به الكارثة، انهزم بلدُه في الحرب العالمية الأولى، رافق هذه الكارثة تمردٌ داخلي، حاول الوالي السيطرة عليه بتأديب الفلاحين، فنفَّذَ مشورة تاج الدين، أحرق حقولهم، فكان ذلك وبالًا عليه، انتهى به إلى أن يقضي العقدين الأخيرين من حياته أسيرًا في قبضة الملك الجديد تاج الدين. عاش آخرَ أيامه متسولًا، يصنع الفكاهةَ في حياة المغبونين، مُعَرِّضًا بنسوة القصر ومحظياته. وحينما ضاق ابنُ الملك بتواطؤ أبيه مع ما يفعله الأسير من تعريضٍ بزوجته -في سياق استهدافه نسوة الملك وحاشيته- انتقم لنفسه، بوضع حدٍّ لحياة الوالي/ الأسير.

سمة التناقض والاختلاف

لقد برعت الروايةُ في الكشف عن سمة التناقض والاختلاف القائمة بين الشخصيتين -الوالي، والملك- فحققت بذلك حيوية الصراع التي لا تبلغ مداها إلا عبر شخصياتٍ غير متشابهةٍ في صفاتها وميولها ومواقفها، ولعل أبرز تمظهرٍ لمركزية هذا التناقض هو ما نجده في هوس الملك بما يمثل فوبيا للوالي (النساء والسلطة).

ولا يحدُّ هذا التناقض الجوهري، من أثر أنساقِ الحياة والسلطة في حياة الحاكِمَيْن، حينما تُضفي عليهما صفاتٍ تشترك فيها شخصيتاهما، من مثل: ملابسات النشأة؛ فلم يكن أبُ كلٍّ منهما راغبًا في مولوده لحظة ولادته. وكذلك حرمانهما من حنان الأم. وثنائية الأنثى والحكم؛ فكلاهما كان للأنثى والمجون مركزيةٌ وفاعليةٌ في مفاصل السلطة التي آلت إليهما مقاليدُها.

ويمكن مقاربة فضاءات الزمن في الرواية، بالقول: إن البداية الزمنية لأحداثها هي ميلاد الوالي، وعلى ذلك، فإن الثلث الأخير من القرن التاسع عشر هو الفضاء الزمني المتضمن بدايات أحداث الرواية. كما أن الثلث الأول من القرن العشرين هو الفضاء الزمني الذي تضمن نهايةً لأحداثها.

أما زمنُ سردِ الأحداث، فقد كانت قصديةُ الرواية واضحةً في العناية به، فجعلت من يوم الرابع من تشرين 1918م، زمنًا لسرد أحداثها، فانقسمت قسمين؛ الأول منهما معنونٌ بـ(4 تشرين 1918م)، والثاني بالعنوان ذاته مع إضافة كلمة (أيضًا) إليه. وغلب أن يكون القسم الأول لما قبل هذا التاريخ، والقسم الثاني لما بعده.

تقنية الانتقالات

وزعت الروايةُ مشاهدها توزيعًا استند -بشكل كبير- على تقنية الانتقالات والاسترجاعات والاستباقات؛ فغلبت عليها استرجاعات الأحداث والمشاهد. وبلغتها المنسابة، أوردت عددًا من الإشارات التاريخية والثقافية، بطريقةٍ أدبيةٍ توظيفيةٍ لهذه الإشارات. كما حرصتْ في لغتها السردية على التماهي مع زمنيةِ أحداثها، فاستأنست بما يتصل بتلك الزمنية من مصطلحاتٍ وتسميات. حيث تضمنتْ وصفًا دقيقًا للأزياء السائدة في تلك الحقبة الزمنية، من مثل الزي العسكري على الطراز الإنجليزي، ص: (8). أو على الطراز الفرنسي، ص: (83). أو زي الحاكم اليمني، ص: (78).

توالت الأحداث مسرودةً على لسان الراوي العليم، الذي ألزم نفسه البقاء في مكانٍ، يقدم من خلاله الأحداث كما هي عليه حالها في جوهرها المرتبط بماهية الإنسان، بمعزلٍ عن مؤثرات اختلاف الثقافات والقوميات، حيث قدمت السلطة وطرق الوصول إليها بماهيتها التي تَتَّحد فيها النفس البشرية، فلم تُسْقطِ الروايةُ على الوالي جدليةَ الاصطلاح على التدخل التركي، بين من يراه احتلالًا، وبين من يراه فتحاً.

كما لم تُسْقِطْ على تاج الدين تلك الرؤية التي تمنحه صفة المناضل الساعي إلى التحرر والاستقلال، متغاضيةً عما في ذلك من ملامح يمكن البناء عليها، أو الهدم من خلالها لتلك الرؤية. الذي حتّم على الرواية هذا التعاطي هو الغايةُ في الارتقاءِ بمعالجةِ أحداثها معالجةً تلامس فيها جوهر الإنسان، وهو ما يفتح لهذا العمل نافذةً على التقاطع مع واحدية الرؤى في الأعمال الإبداعية المتجاوزة للجغرافيات.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى